إتصل بناالأسرة المسلمةصوتياتخطب منبريةنافذة على الواقعوهران و ضواحيهاالتعريف بالموقعالصفحة الرئيسة 

 

     القرآن و علومه  
الحديث و علومه
العقيدة        
المنهاج       
الفقه و أصوله    
تزكية النفوس    
التاريخ والسير  
  اللغة و الأدب  
 أفكار هدامة   
متفرقات     

 

 اليهود والنصارى متعادون وعلى المسلمين متحدون "أحداث غزة"


كتبه لخضر أبو عبد المهيمن

  بسم الله الرحمٰن الرحيم

 إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

أما بعد:

فكثيرة هي المواقفُ التي تؤثرُ في قلبِ المسلم، وتتركُه مندهشاً أمامها، ومنها ما حدث ويحدث بفلسطين الحبيبة، وفي غزة بالذات، من قصف للبيوت والمباني، والمستشفيات، ولم تسلم حتى بيوت الله، دون استثناء وتفريق بين مقاتل وغير مقاتل وبين صغير وكبير وبين رجل وامرأة، من اليهود الظلمة الفجرة، قتلة الأنبياء والصالحين، خونة العهود والمواثيق، أعداء دين رب العالمين، فيا لله كم من أرواحٍ قد زهقت، وكم من نساء قد رملت، وكم من أطفال قد يُتموا، وكم من دور قد هدِّمت، لو رأيتَ حالَهم، فأحياؤهم فزعون مذعورون، ومن هول الكارثة متذمرون، ومرضاهم يئنون ويصرخون، وجثث أمواتهم ممزقة مشوهة وهم أمامها يبكون، إن لله وإن إليه راجعون.

ولقد تأثر الجزائريون حكاماً[1] ومحكومين- من هذا أيما تأثر، فتبرعوا بأموالهم، وأرسلوا الدم إلى إخوانهم هناك، ولم يبخلوا عليهم بالدعاء، وعلى أعدائهم بالهلاك والخسران، فإذا بشرذمة قليلة من المتنصرين ينادون بنصرة اليهود على إخواننا الفلسطينيين[2]، ذكرت هذا جريدة الشروق[3]، تحت عنوان "متنصرون يهاجمون المقاومة ويساندون العدوان على غزة"

فقلت لما قرأت الخبر: لعله في البلاد التي يكثر فيها النصارى!

وصدمت بمجرد فتحي لها: بأنهم جزائريون، ثم قلت مرة أخرى: هذا ليس بعجيب من أناس باعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل، فبيع الأوطان هو نتيجة ذلك.

فهرعت لكتابة هذه الكلمات لعلها تجد آذانًا صاغية، وقلوبًا واعية.

فأقول: إخواني المسلمين في الجزائر الحبيبة، وفي العالم كلِّه، قِفُوا في وجه التنصير والداعين إليه، فهو الداء العضال، وهو الخطر الداهم، فهولاء الشرذمة، وفي هذه المرحلة العصيبة، يخطبون في الكنيسة، ويقومون بحملة لتأييد اليهود[4] وعدوانهم الغاشم على إخواننا الفلسطينيين وخاصة الأطفال والشيوخ والنساء، فكيف إذا كان المقاتل من النصارى؟

فعلينا:

1-             أن نتقرب إلى الله ببغضهم، ومعاداتهم، وعدم موادتهم ومحبتهم، لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [المائدة/51] وقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة/22]

فالعجب لاينتهي ممن يحبهم ويحتفل معهم بأعيادهم[5] ويهنئهم، بل بعضهم يرتدي قمصاناً فيها الصليب، والأدهى والأمر أن يصنعها بنو جلدتنا ومن يتكلمون بألسنتنا من أجل دريهمات قليلة!، ومنهم من يعلق صور لاعبيهم، وفنانيهم[6]، في بيته ودكانه، وآخر يجعل راية دولة من دول الكفر ستارًا لدكانه، والله المستعان، وإليه المشتكى

2-             أن نحذر من التشبه بهم، في لباس أو عادات وتقاليد، لقوله صلى الله عليه وسلم "من تشبه بقوم فهو منهم"[7]

3-      لا نعظمهم، ولا نفسح لهم في المجالس، ولا نبدؤهم بالسلام لقوله صلى الله عليه وسلم " لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في طريق ؛ فاضطروهم إلى أضيقه "[8]

4-      أن نعتز بدننا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن نتمسك بهما ونعظ عليهما بالنواجذ، فالعزة فيهما قال تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون/8]

  قال الإمام أبو عبد الله القرطبي المالكي رحمه الله تعالى: (توهموا[9] أن العزة بكثرة الأموال والأتباع؛ فبين الله أن العزة والمنعة والقوة لله.)[10]

5-             أن نقوم بأسباب العزة والتمكين من

            :أ-الإيمان بالله الخالص:

  فقد وصف الله عز وجل من قاتل جالوت وجنوده بالإيمان فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ   [البقرة/ 249]

قال الإمام القرطبي   رحمه الله: (هكذا يجب علينا نحن أن نفعل، لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدام اليسير من العدو كما شاهدناه غير مرة، وذلك بما كسبت أيدينا وفي البخاري[11]: قال أبوالدرداء رضي الله عنه: "إنما تقاتلون بأعمالكم". وفيه مسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم)[12]. فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون والصبر قليل والاعتماد ضعيف والتقوى زائلة. قال الله تعالى: : ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران/ 200] وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[المائدة/ 23] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾[النحل: 128] وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ﴾[الحج/ 40] وقال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[الأنفال/ 45]. فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا! بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره، ولا من الدين إلا رسمه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدو[13] شرقا وغربا برا وبحرا، وعمت الفتن وعظمت المحن ولا عاصم إلا من رحم..)[14]

   (وما رتب الله _سبحانه وتعالى_ على بيعة الرضوان من إثابة المؤمنين بالفتح القريب ومغانم كثيرة يأخذونها في خيبر، وكف أيدي الناس عنهم، وفتح مكة لهم بعد ذلك دون عناء قتال؛ إنما كان لما علم في قلوبهم من الإيمان الخالص له الصادق الكامل، فأثابهم كل ذلك الثواب بناءً عليه قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (19) ﴾[الفتح/18-19])[15]

                            ب- الاهتمام بتصحيح عقيدة المسلمين:

قد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم وهو في طريقه إلى حنين على من قال اجعل لنا ذات أنواطٍ[16] كما لهم ذات أنواط فكبر[17] صلى الله عليه وسلم وقال: "إنها السنن لقد قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى:﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ﴾ [الأعراف/138]"[18]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة برِّهم نصرهم على عدوِّهم نصراً عزيزًا، ولم تُهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلاً، ولما صحّ من تحقيق توحيد الله وطاعة رسوله مالم يكن قبل ذلك، فإنَّ الله تعالى ينصرُ رسوله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)[19].

                              ت- تجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال تعالى لنبيه عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران/55] وهكذا من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم هو الأعلى قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح/4] وقال سبحانه: ﴿يا أيها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنْ اتَّبَعَك مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾[الأنفال/64] (أي حسبك وحسب من اتبعك، فكل من اتبع الرسول من لمؤمنين فالله حسبه، وهذا معنا كون الله معه)[20] .

(فهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الخلق بعد النبيين والمرسلين وأعظمهم حماية وحراسة من الشيطان وقد أخلوا المكان الذي أمروا بلزومه يوم أُحدٍ فدخل منه العدو فكان ما كان).[21] قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران/ 165].

                            ث- دعاء الله عز وجل والالتجاء إليه:

فهو دأب الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: ﴿ وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28)﴾ [نوح/26-28]

وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم توجه إلى ربه الذي بيده كل شيء، فأخذ يستغيث، ويدعو ربه في غزوة بدر.قال علي رضي الله عنه: "لقد رأيتُنا يوم بدر، وما منا إلا نائم، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يصلي إلى شجرة ويدعو، حتى يصبح"[22]

وقد صور لنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا المشهد، فقال: "لما كان يوم بدر، نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاث مئة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مدَّ يديه، فجعل يهتف بربِّه[23]: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تُهلك هذه العصابة، من أهل الإسلام لاتُعبد في الأرض" فما زال يهتف بربه، مادّاً يديه، مستقبلَ القبلة، حتى سقط رداؤه عن مَنْكِبَيْهِ، فأتاه أبوبكر، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا رسول الله! كذاك[24] مُنَاشَدَتَكَ ربَّكَ، فإنَّه سَيُنْجِزُ لك ما وعدَك، فأنزل الله عز وجل: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال/9]فأمَدَّه الله بالملائكة"[25]

قال الإمام أبوالعباس القرطبي: (هذا منه صلى الله عليه وسلم قيامٌ بوظيفة ذلك الوقت من الدُّعاء، والالتجاءِ إلى الله تعالى، وتعليمٌ لأمته ما يلجؤون إليه عند الشدائد والكرب الواقعة بهم، فإن الوقت  كان وقت اضطرارٍ وشدَّةٍ، وقد وعد الله المضطرَّ بالإجابة، حيث قال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل/62])[26]

                            ج- الاجتماع على الحق ونبذ التفرق والتحزب والتمزق:

 قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران/ 103] وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال/45-46]

قال الحافظ ابن كثبر رحمه الله تعالى: (فأمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم, فلا يفروا ولا ينكلوا ولا يجبنوا, وأن يذكروا الله في تلك الحال ولا ينسوه, بل يستعينوا به ويتوكلوا عليه ويسألوه النصر على أعدائهم, وأن يطيعوا الله ورسوله في حالهم ذلك, فما أمرهم الله تعالى به ائتمروا, وما نهاهم عنه انزجروا, ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضاً فيختلفوا فيكون سبباً لتخاذلهم وفشلهم, ﴿وتذهب ريحكم﴾ أي قوتكم وحدتكم, وما كنتم فيه من الإقبال, ﴿واصبروا إن الله مع الصابرين﴾ وقد كان للصحابة رضي الله عنهم في باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم الله ورسوله به, وامتثال ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم, ولا يكون لأحد ممن بعدهم, فإنهم ببركة الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته فيما أمرهم, فتحوا القلوب والأقاليم شرقاً وغرباً في المدة اليسيرة, مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم, من الروم والفرس والترك والصقالية والبربر والحبوش, وأصناف السودان والقبط وطوائف بني آدم. قهروا الجميع حتى علت كلمة الله, وظهر دينه على سائر الأديان, وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها, في أقل من ثلاثين سنة, فرضي الله عنهم وأرضاهم[27] أجمعين, وحشرنا في زمرتهم إنه كريم وهاب.)[28]

وقال الإمام القرطبي رحمه الله: (فقد لبسنا العدو في ديارنا، واستولى على أنفسنا وأموالنا، مع الفتنة المستولية علينا، بقتل بعضنا بعضاً، واستباحة بعضنا أموال بعض، نعوذ بالله من الفتن، ما ظهر منها، وما بطن)[29]

              ح- الابتعاد عن الذنوب والمعاصي من شرك، وسب لله عز وجل والعياذ بالله، وعقوق، وسحر، وربا، وزنا، وتبرج النساء[30].....لأنها سبب ذل الأمم وهوانها عند ربها، وموجب عظيم لهلاكها وتسليط الأعداء عليها من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من أهل الكفر والإلحاد[31].

قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى وهو يذكر سبب تسلط النصارى على المسلمين في الأندلس: (ولجهلنا بقدر ذلك، وغلبة شهواتنا علينا، وظفر عدونا اللعين بنا، صرنا أحقر من الفِراش، وأذلَّ من الفَرَاش، ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!)[32]

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (ومن عقوبات الذنوب: أنها تُضعِفُ في القلب تعظيمَ الربِّ جلَّ جلاله، وتضعف وَقَارَهُ في قلب العبد ولابُدَُّ شاءَ أم أبَى، ولو تمكَّن وقار الله وعظمته في قلب العبد لما تجرَّأَ على معاصيه، وربَّما اغترَّ المغتر، وقال: إنّما يحملني على المعاصي حسن الرَّجاء، وطمعي في عفوه، لا ضعف عظمته في قلبي!

 وهذا من مغالطة النفس فإنَّ عظمةَ الله تعالى وجلالَه في قلبِ العبد تقتضي تعظيمَ حرماته، وتعظيمُ حرماته تحولُ بينه وبين الذنوب، والمتجرِّئون على معاصيه ما قََدروا الله حق قدره، وكيف يقدِّره حقَّ قدره، أو يعظِّمه و يكبِّره، و يرجو وقاره ويجلَّه من يهونُ عليه أمرهُ ونهيهُ[33]؟ هذا من أَمحلِ المحال، وأبْيَنِ الباطل.

 وكفى بالعاصي عقوبةً أن يضمحلَّ من قلبه تعظيمُ الله جلَّ جلاله، وتعظيمُ حرماته، ويهونَ عليه حقُّه.
ومن بعض عقوبة هذا:
أن يرفع الله عز وجل مهابته من قلوب الخلق ويهون عليهم ويستخفون به كما هان عليه أمره واستخف به فعلى قدر محبة العبد لله يحبه الناس وعلى قدر خوفه من الله يخافه الخلق وعلى قدر تعظيمه الله وحرماته يعظمه الناس وكيف ينتهك عبد حرمات الله ويطمع أن لا ينتهك الناس حرماته؟ أم كيف يهون عليه حق الله ولا يهونه الله على الناس؟ أم كيف يستخف بمعاصي الله ولا يستخف به الخلق
وقد أشار سبحانه إلى هذا في كتابه عند ذكر عقوبات الذنوب وأنه أَرْكَسَ أربابَها بما كسبوا[34]، وغطّ
َى على قلوبهم، فطبع عليها بذنوبهم[35]، وأنه نسيَهُم كما نسوهُ[36]، وأهانَهُم كما أهانُوا دينَهُ[37]، وضيَّعهم كماضيَّعُوا أمره.

 ولهذا قال تعالى في آية سجود المخلوقات له: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج/18]، فلمَّا هان عليهم السجودُ له واستخفوا به ولم يفعلوه أهانهم الله، فلم يكن لهم من مكرمٍ بعد أن أهانهم الله، ومن ذا يكرم من أهانه الله؟ أو يهين من أكرمه الله؟)[38]

وقال: (ومن عقوبات الذنوب: أنَّها تُزيلُ النّعمَ وتحلُّ النقم فما زالت عن العبد نعمةٌ إلاّ بذنبٍ، ولا حلَّت به نقمة إلاّ بذنب، كما قال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه: "ما نزلَ بلاءٌ إلاَّ بذنب، ولا رُفع إلاّ بتوبة" وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى/30]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال/53] فأخبر الله تعالى أنه لا يغير نعمه التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه فيغير طاعة الله بمعصيته وشكره بكفره وأسباب رضاه بأسباب سخطه فإذا غير غُير عليه جزاء وفاقا، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.

فإن غير المعصية بالطاعة غير الله عليه العقوبة بالعافية والذل بالعز وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾[الرعد/11]
 ولقد أحسن القائل:

 إذَا كُنْتَ في نعمةٍ فَارْعَهَا             فإنَّ المعاصي تُزيلُ النِّعمْ

 وحُطْهَا بطاعةِ ربِّ العِبَادِ            فَرَبَّ العبادِ سَرِيعُ النِّقَمْ)[39]

وقال أيضاً: (ومن عقوباتها: أنها مَدَدٌ من الإنسانِ يمدُّ به عدوَّهُ عليه، وجيشٌ يُقَوِّيه به على حربه)[40]

والحمد لله رب العالمين.        

 


[1] - وجهود الحكومة الجزائرية لا تخفى على أحد، فمواقفها تجاه القضية الفلسطينية، ثابتة من بدايتها - انظر إلى آثار الإمام الإبراهيمي ففيها كلام كثير حولها – إلى اليوم.

[2] - وفي هذا تنبيه لمن يدعوا إلى القومية العربية لكي يفيقوا من غفلتهم، ويعلموا أنه صراعٌ بين الإسلام والكفر، والحق والباطل. (تنظر مقالة أخي الحبيب أبي أسامة إبراهيم "أَيُّهَا الْهَاتِفُ بِاسْمِ الْعُرُوبَةِ .. رُوَيْدَكَ!" في خانة "نافذة على الواقع" في الموقع).

[3] -  صدرت يوم الإثنين 8 محرم 1430ﻫ الموافق ل 5 جانفي 2009م

[4] - مع أنهم متعادون عداءاً كبير وهذا يعرفه من  درس التاريخ، فقد اضطهدهم الروس، والبريطانيون والإيطاليون والفرنسيون الذين كانوا يسمونهم بالشعب المكروه، وما فعل بهم النازيون ليس بخافٍ على أحد، 

[5] - تنظر مقالة "تحذير الأنام من الاحتفال مع النصارى في هذه الأيام" لراقم هذه السطور

[6]-  وها هم هؤلاء الفنانون يتمنون أن يُمحى المسلمون من الأرض كما قال الكافر الفاجر "توم كروز، كيانو ريفز، هاريسون فورد، ريشارد جير" الذين يحبهم ويقلدهم ضعفاء الإيمان من المسلمين، وقد فعل هذا قبلهم منذ سنتين عندما قصف اليهود لبنان اللاعب البرازيلي "رولاندينوا" الذي رفع علم اليهود، ووصف المسلمين بالإرهاب. فاعتبر يا من يعظم هؤلاء. 

[7] - أخرجه أبو داود (4031) وصححه الألباني

[8] - رواه مسلم  (4030)

[9] - (المنافقون)

[10] - تفسير القرطبي (20/505-506)

[11] - تعليقا فبل حديث (2808)

[12]-    رواه البخاري (2896)

[13] - استولى النصارى على قرطبة ، وقتلوا والده في( 3رمضان627).

[14] -  تفسير القرطبي (4/ 245)

[15] - عوامل النصر والتمكين في دعوات المرسلين أحمد بن حمدان الشهري (46)

[16] -شجرة عظيمة خضراء، يأتونها كل سنةٍ، فيعلقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوماً.[سبل السلام من صحيح سيرة خير الأنام عليه الصلاة والسلام (514)ٍ]

[17] - وفي رواية: قال: سبحان الله.

[18] - رواه الترمذي (2180)وقال: حسن صحيح، وقال الألباني: صحيح. .

[19] - تلخيص كتاب الاستغاثة لشيخ الاسلام ابن تيمية [الرد على البكري]   (2/738)

[20] - منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية (8/ 487)

[21] -كما قال ابن القيم في (الداء والدواء)، فشُج وجه النبي صلى الله عليه وسلم، وكسرت رَبَاعِيَته، وقُتل سبعون من أصحابه رضي الله عنهم.

[22] - رواه أحمد

[23] - أي: يرفع صوته، يقال هتف يهتف: إذا رفع صوته بدعاء أو غيره (المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (3/572)) 

[24] - أي: حسبك.

[25] - رواه مسلم (1763)

[26] - المفهم (3/574)

[27] - ومع ذلك نجد قوماً يدعون نصرةَ الإسلام، ومعاداتِ اليهود والنصارى، وهم يلعنون هؤلاء الصحب الكرام ويكفرونهم، كـ"حزب الشيطان" الشيعي الرافضي، الذي سمعنا زعيمه يتوعد ويتهدد من بداية العدوان، إلى اليوم العشرين من التقتيل والتدمير وقد جاوز القتلى الألف، وهو لم يفعل شيء سوى التهديد، وتأليب المسلمين على حكامهم، ومتى نصرَ الرافضةُ الإسلامَ والمسلمين بل التاريخُ شاهدٌ على ولائهم لليهود والنصارى والوثنيين، ومناصرتهم على المسلمين، وما جرى على المسلمين بغداد أيام ابن العلقمي الرافضي خير شاهد.

[28] - تفسير القرآن العظيم (2/474)

[29] - ينظر كتاب "كشاف تحليلي للمسائل الفقهية من تفسير القرطبي" إعداد مشهور حسن سلمان وجمال عبد اللطيف الدسوقي (10)

[30] - وقد تكلمت عن بعضها بشيء من التفصيل في جمعة "لماذا تسلط علينا الأعداء من اليهود والنصارى والوثنيين؟" وهي في خانة الخطب المنبرية بالموقع.

[31] - انظر مقالة أخي الحبيب أبي عبد الله منير: "سنة القوي المتين في الأولين والآخرين"

[32] - المصدر السابق (10)

[33] - بل كيف يقدره حق قدره من يسبه جل جلاله، ويسب دينه، فهذا لم يعظم ربه تبارك وتعالى.

[34] - كما في سورة النساء: 88

[35] - كما في سورة الأعراف: 101

[36] - كما في سورة الأعراف: 51

[37] - كما في سورة الدخان: 49

[38] - الداء والدواء (112-113)

[39] - المصدر السابق (118-119) بتصرف يسير.

[40] - المصدر السابق (148)


 

إتصل بنا المرأة المسلمةصوتياتخطب منبريةنافذة على الواقع  وهران وضواحيهاالتعريف بالموقعالصفحة الرئيسة 


يسمح من الاستفادة من محتوى الموقع لأغراض علمية ودعوية ، على أن تكون الإشارة عند الاقتباس إلى الموقع
www.Minbarwahran.net