إتصل بناالأسرة المسلمةصوتياتخطب منبريةنافذة على الواقعوهران و ضواحيهاالتعريف بالموقعالصفحة الرئيسة 

 

     القرآن و علومه  
الحديث و علومه
العقيدة        
المنهاج       
الفقه و أصوله    
تزكية النفوس    
التاريخ والسير  
  اللغة و الأدب  
 أفكار هدامة   
متفرقات     

 بأي عقل وفي أيّ دين يُكفَّر هؤلاء العظماء؟


من كتاب "أصول مذهب الشعية الإمامية الإثني عشرية عرض ونقد"

لـ د. ناصر بن عبد الله بن علي القفاري


بـسـم الله الـرحـمـٰن الـرحـيـم

في هذا المقال نقل لعنوانين نافعين من الكتاب العظيم "أصول مذهب الشعية الإمامية الإثني عشرية عرض ونقد" للدكتور: ناصر بن عبد الله بن علي القفاري، مأخوذين من نقد عقيدة الإمامية في الصحابة حيث ذكر فيه "الأدلة والبراهين على نقض مذهب الرافضة، وبيان فضل الصحابة من الكتاب والسنة، وأقوال الأئمة، والتاريخ، والعقل، والأمور المعلومة المتواترة"؛ فاقتصرتُ على "ثناء الأئمة على الصحابة رضوان الله عليهم" و "دلالة العقل والتاريخ وما علم بالتواتر وأجمع الناس عليه" لما عُلم من حال الشيعة اليومَ من تضييعٍ وهجرٍ للقرآن الكريم وعدم طلب الهداية فيه -بعد اعتقاد تحريفه- كما صرّح بذلك علي خامِنَئي حيث قال: إن الانزواء عن القرآن الذي حصل في الحوزات العلمية وعدم استئناسنا بالقرآن أدى إلى إيجاد مشكلات كثيرة في الحاضر والمستقبل وكذلك فإن البعد عن القرآن يؤدي إلى وقوعنا في قصر النظر.

وقال: مما يؤسف له أن بإمكاننا بدء الدراسة ومواصلتها إلى حين استلام إجازة الاجتهاد من دون أن نراجع القرآن ولو مرة واحدة! لماذا هكذا؟ لأن دروسنا لا تعتمد على القرآن...

وقال أيضا: إذا ما أراد شخص كسب أي مقام علمي في الحوزة العلمية كان عليه أن لا يفسر القرآن حتى لا يتهم بالجهل... حيث كان ينظر إلى العالم المفسر الذي يستفيد الناس من تفسيره على أنه جاهل ولا وزن له علميا، لذا يضطر إلى ترك درسه... ألا تعتبرون ذلك كارثة؟ [الحوزة العلمية في فكر الإمام الخامِنَئي ص100، 101]

فاصبر أخي القاريء على تدبَّر هذه الصفحات اليسيرة: لتزداد -إن كنت من أهل السنة- في دينك بصيرة، وإن لا، فأسأل الله القريب المجيب أن يهدي من أصغى لسماع الحق وأخلص في طلبه، ومن وقع في شباك الرافضة وشبهاتهم ولم يتبين بعدُ -بسبب تقيّة القوم- حقيقةَ مذهبهم.

وسميتُه: بأي عقل وفي أيّ دين يُكفَّر هؤلاء العظماء؟  

 

- ثناء الأئمة على الصحابة رضوان الله عليهم:

في الخصال لابن بابويه القمي: «عن أبي عبد الله قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألفًا[1]، ثمانية آلاف في المدينة وألفان من أهل مكّة، وألفان من الطّلقاء، لم يرد فيهم قدري، ولا مرجئ، ولا حروري، ولا معتزلي، ولا صاحب رأي، كانوا يبكون اللّيل والنّهار» [ابن بابويه القمي/ الخصال: ص 639-640، وانظر: المجلسي/ البحار: 22/305.].

وفي البحار للمجلسي: عن الصّادق عن آبائه عن علي عليه السّلام قال: "أوصيكم بأصحاب نبيّكم لا تسبّوهم، الذين لم يحدثوا بعده حدثًا ولم يؤووا مُحدِثًا، فإنّ رسول الله أوصى بهم الخير" [المجلسي: البحار 22/305-306.].

وفي البحار أيضًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "طوبى لمن رآني، وطوبى لمن رأى من رآني، وطوبى لمن رأى من رأى من رآني" [أمالي الصدوق: 240-241، بحار الأنوار: 22/305.].

 وعن موسى بن جعفر (إمامهم السّابع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا أمنة لأصحابي، فإذا قبضت دنا من أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمّتي، فإذا قبض أصحابي دنا من أمّتي ما يوعدون، ولا يزال هذا الدّين ظاهرًا على الأديان كلّها ما دام فيكم من قد رآني" [المجلسي/ البحار: 22/ 309-310، وعزاه إلى نوادر الرّواندي: ص23.].

وفي معاني الأخبار لشيخهم ابن بابويه القمي (الصدوق) : "عن جعفر بن محمد عن آبائه عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما وجدتم في كتاب الله عز وجل فالعمل لكم به، لا عذر لكم في تركه، وما لم يكن في كتاب الله عز وجل، وكانت فيه سنة مني فلا عذر لكم في ترك سنتي، وما لم يكن فيه سنة مني فما قال أصحابي فقولوا به، فإنما مثل أصحابي فيكم كمثل النجوم بأيها أخذ اهتدي، وبأي أقاويل أصحابي أخذتم اهتديتم (ثم زاد دعاة التفرقة على هذا النص الزيادة التالية) فقيل: يا رسول الله، ومن أصحابك؟ قال: أهل بيتي" [ابن بابويه/ معاني الأخبار: 156-157، المجلسي/ البحار: 307.].

ولا شك أن تفسير الصحابة بأهل البيت فقط بعيد جدًا، وقد لاحظ صدوقهم هذا البعد فعقب على النص السالف بقوله: "إن أهل البيت لا يختلفون، ولكن يفتون الشيعة بمر الحق، وربما أفتوهم بالتقية، فما يختلف من قولهم فهو للتقية، والتقية رحمة للشيعة" [ابن بابويه/ معاني الأخبار: 156-157، المجلسي/ البحار: 307.].

فهو هنا يحمل "النص الذي يثني على الصحابة" على التقية، والعقل والمنطق يعترض على هذا "التأويل" فلم يكون الثناء على الصحابة الذي أثنى عليهم الله ورسوله، وشهد التاريخ بفضلهم وجهادهم تقية، ويكون السب لهم هو الحقيقة وهو مذهب الأئمة؟ إنه لا دليل لهم على هذا المذهب سوى أنه يتمشى مع منطق أعداء الأمة.

ثم إن النص السابق يرويه "جعفر الصادق" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل رسول الله يكذب على الأمة - تقية - أو أن جعفرًا يكذب على رسول الله من أجل التقية؟! وكلا الأمرين طعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته ومخالفة صريحة للنصوص.

وفي نهج البلاغة يقول علي رضي الله عنه في أبي بكر أو عمر رضي الله عنهما على اختلاف بين شيوخ الشيعة في ذلك[2]: "لله بلاء فلان [أي عمله الحسن في سبيل الله] فلقد قوّم الأود [وهو كناية عن تقويمه لاعوجاج الخلق عن سبيل الله إلى الاستقامة.]، وداوى العَمَد [أي: العلّة.]، وأقام السّنّة.. وخلف الفتنة [تركها خلفًا لا هو أدركها ولا هي أدركته]، ذهب نقي الثّوب، قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرّها، أدّى إلى الله طاعته واتّقاه بحقّه" [انظر: نهج البلاغة: ص350 وص:671 (تحقيق صبحي الصّالح). والشرح منه ومن ميثم البحراني].

وهذا نصّ عظيم يهدِم كلّ ما بنوه وزعموه عن عداوة وصراع بين علي والشيخين رضي الله عنهم.

وقد احتار "الروافض" بمثل هذا النص؛ لأنه في نهج البلاغة وما في النهج عندهم قطعي الثبوت، وصوّر شيخهم ميثم البحراني[3] ذلك بقوله: "واعلم أن الشيعة قد أوردوا هنا سؤالاً فقالوا: إن هذه الممادح التي ذكرها في حق أحد الرجلين تنافي ما أجمعنا عليه من تخطئتهم وأخذهما لمنصب الخلافة، فإما أن لا يكون هذا الكلام من كلامه رضي الله عنه، وإما أن يكون إجماعنا خطأ".

 ثم حملوا هذا الكلام على التقية وأنه إنما قال هذا المدح من أجل "استصلاح من يعتقد صحة خلافة الشيخين واستجلاب قلوبهم بمثل هذا الكلام" [ميثم البحراني/ شرح نهج البلاغة: 4/98.]. أي: أن عليًا -في زعمهم- أراد خداع الصحابة، وأظهر لهم خلاف ما يبطن فهو خطب هذه الخطبة العامة أمام الناس، وهي مبنية على الكذب، هذا هو جواب من يزعم التشيع لعلي.

وما أعتقد أن عاقلاً يرضى هذا "الجواب"، وإننا نقول بأن إجماع الشيعة ضلال، وقول علي هو الحق والصدق، وهو الذي لا يخاف في الله لومة لائم.

وقد يقول قائل: هذه النصوص المنقولة من كتبهم تناقض ما سلف من تكفير الشيعة للصحابة، وأقول: نعم، لأن هذا المذهب يحمل في رواياته هذه الصورة المتناقضة، لكن شيوخهم وضعوا أصولاً وأقوالاً نسبوها للأئمة للتخلص من هذه الأخبار، والخروج من هذا التناقض، فمن أصولهم أن هذا التناقض أمر مقصود لإخفاء حقيقة المذهب حتى لا يقضى على المذهب وأهله من قبل العامة (يعني أهل السنة) [انظر: أصول الكافي: 1/65.].

وقالوا عند الاختلاف: "خذوا بما خالف العامة، فإن فيه الرشاد" [انظر: ص (413) من هذه الرسالة.]. ولذلك يحمل شيوخهم أمثال هذه الروايات على التقية، ولأنها روايات قليلة بالنسبة لأخبارهم الكثيرة التي تكفِّر وتلعن، فهم لا يأخذون بها، فمفيدهم يقول: "ما خرج للتقية لا يكثر روايته عنهم كما تكثر روايات المعمول به" [تصحيح الاعتقاد : ص71.].

ولذلك تجد في تعقيب ابن بابويه إشارة إلى أن مدح الصحابة في الرواية التي ذكرها إنما هو على سبيل التقية، وكذلك في تعقيب (ميثم).

وإذا كان الأمر كذلك فإني إنما ذكرت هذه الأخبار وأمثالها لإثبات تناقض المذهب أمام العقلاء، وتبصير من يريد الحق من أتباع المذهب إلى أن هذه الروايات هي الحقيقة لا التقية؛ لاتفاقها مع كتاب الله سبحانه وإجماع الأمة.

وبيان أن عقيدة التقية جعلت من المذهب ألعوبة بأيدي الشيوخ يوجهونه وفق إرادتهم، فلم يعد مذهب أهل البيت، إنما مذهب الكليني والقمي والمجلسي وأضرابهم.

 دلالة العقل والتاريخ وما علم بالتواتر وأجمع الناس عليه:

أولاً: قد عرف بالتواتر الذي لا يخفى على العامة والخاصة أن أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم كان لهم بالنبي صلى الله عليه وسلم اختصاص عظيم وكانوا من أعظم الناس اختصاصًا به، وصحبة له وقربًا إليه، وقد صاهرهم كلهم، وكان يحبهم ويثني عليهم، وحينئذ فإما أن يكونوا على الاستقامة ظاهرًا وباطنًا في حياته وبعد موته، وإما أن يكونوا بخلاف ذلك في حياته أو بعد موته، فإن كانوا على غير الاستقامة مع هذا القرب فأحد الأمرين لازم، إما عدم علمه بأحوالهم، أو مداهنته لهم، وأيهما كان فهو من أعظم القدح في الرسول صلى الله عليه وسلم كما قيل:

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

وإن كانوا انحرفوا بعد الاستقامة فهذا خذلان من الله للرسول في خواص أمته، وأكابر أصحابه، ومن وعد أن يظهر دينه على الدين كله، فكيف يكون أكابر خواصه مرتدين؟ فهذا ونحوه من أعظم ما يقدح به الرافضة في الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال مالك وغيره: إنّما أراد هؤلاء الرّافضة الطّعن في الرّسول صلى الله عليه وسلم ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلاً صالحًا لكان أصحابه صالحين، ولهذا قال أهل العلم: إن الرافضة دسيسة الزندقة. [منهاج السّنّة: 4/123.].

ثانيًا: إن المرتد إنما يرتد لشبهة أو شهرة، ومعلوم أن الشبهات والشهوات في أوائل الإسلام كانت أقوى، حيث كان الإسلام إذ ذاك قليلاً، والكفار مستولون على عامة الأرض، وكان المسلمون يؤذون بمكة ويلقون من أقاربهم وغيرهم من المشركين من الأذى ما لا يعلمه إلا الله، وهم صابرون على الأذى متجرعون لمرارة البلوى، وقد اتبعوه صلى الله عليه وسلم وهو وحيد فقير، ذليل خائف، مقهور مغلوب، وأهل الأرض يد واحدة في عداوته، وقد خرجوا من ديارهم وأموالهم وتركوا ما كانوا عليه من الشرف والعزة حبًا لله ورسوله.

وهذا كله فعلوه طوعًا واختيارً، فمن كان إيمانهم مثل الجبال في حال ضعف الإسلام، كيف يكون إيمانهم بعد ظهور آياته وانتشار أعلامه؟! [منهاج السنة: 4/128.] لاسيما والسبب الذي تكفرهم الرافضة من أجله وهو بيعة أبي بكر من دون علي، لا يوجد فيه ما يدفعهم إلى التضحية بإيمانهم، وخسارة سابقتهم وجهادهم وبيع آخرتهم من أجل أبي بكر، فما الذي حملهم على ذلك وهم يعلمون أنه كفر بربهم، ورجوع عن دينهم؟ وتركوا اتباع قول رسول الله في بيعة علي بن أبي طالب، وقد علموا أنها طاعة نبيهم، والثبات على دينهم، هل يعقل أن يطيع المهاجرون والأنصار أبا بكر في الكفر بالله، ويتركوا اتباع قول رسول الله في علي؟ وهم الذين خرجوا من ديارهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا، وينصرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون.

ثالثًا: إن مذهب الرافضة في تكفير الصحابة يترتب عليه تكفير أمير المؤمنين لتخليه عن القيام بأمر الله، ويلزم عليه إسقاط تواتر الشريعة، بل بطلانها ما دام نقلتها مرتدين، ويؤدي إلى القدح في القرآن العظيم، لأنه وصلنا عن طريق أبي بكر وعمر وعثمان وإخوانهم، وهذا هو هدف واضع هذه المقالة، ولذلك قال أبو زرعة: « إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم حق والقرآن حق، وإنا أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة" [الكفاية: ص49.].

ولذلك اعترفت كتب الشّيعة أن الذي وضع هذه المقالة هو ابن سبأ فقالت إنه: "أوّل من أظهر الطّعن في أبي بكر عمر وعثمان والصّحابة، وتبرأ منهم، وادّعى أنّ عليًّا عليه السّلام أمره بذلك" [القمي/ المقالات والفِرَق: ص20، النّوبختي/ فِرَق الشّيعة: ص19-20.].

رابعًا: أنّ عليًّا رضي الله عنه لم يكفّر أحدًا ممّن قاتله حتى ولا الخوارج، ولا سبى ذرية أحد منهم، ولا غنم ماله، ولا حكم في أحد ممن قاتله بحكم المرتدين كما حكم أبو بكر وسائر الصحابة في بني حنيفة وأمثالهم من المرتدين، بل كان يترضى عن طلحة والزبير وغيرهما ممن قاتله، ويحكم فيهم وفي أصحاب معاوية ممن قاتله بحكم المسلمين، وقد ثبت بالنّقل الصّحيح أنّ مناديه نادى يوم الجمل: لا يتبع مدبر، ولا يجهز على جريح، ولا يغنم مال [وهذا ممّا أنكرته الخوارج عليه حتى ناظرهم ابن عبّاس - رضي الله عنهما - في ذلك. (منهاج السّنّة: 4/181).].. واستفاضت الآثار أنه كان يقول عن قتلى عسكر معاوية: إنهم جميعًا مسلمون ليسوا كفارًا ولا منافقين [منهاج السنة: 4/181.].

وهذا ثبت بنقل الشّيعة نفسها، فقد جاء في كتبهم المعتمدة عندهم: "عن جعفر عن أبيه أنّ عليًّا - عليه السّلام - لم يكن ينسب أحدًا من أهل حربه إلى الشّرك، ولا إلى النّفاق، ولكنّه يقول: هم بغوا علينا" [قرب الإسناد: ص 62، وسائل الشّيعة: 11/62.].

ولكن عقيدة التقية عندهم تجعل دينهم دين الشيوخ لا دين الأئمة، فقد قال الحر العاملي في التعليق على النص السابق: "أقول: هذا محمول على التّقية" [وسائل الشّيعة: 11/62.].

وجاء في كتاب علي إلى أهل الأمصار يذكر فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين: "وكان بدء أمرنا التقينا والقوم من أهل الشّام، والظّاهر أنّ ربّنا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله، والتّصديق برسوله، ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء" [نهج البلاغة: ص 448.].

وقد أنكر على من يسب معاوية ومن معه فقال: "إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنّكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبّكم إياهم: اللّهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم" [نهج البلاغة: ص323.].

فهذا السب والتكفير لم يكن من هدي علي باعتراف أصح كتاب في نظر الشيعة.

خامسًا: "إن الذين تستثنيهم الرافضة من حكمها بالردة كسلمان وعمار والمقداد، إنما استثنتهم لأنهم بزعمها على مذهب الرفض من تكفير أبي بكر وعمر، وإنكار بيعتهما، وهذا من جملة نصب الرافضة وتلبيسهم؛ لأنه لم يعهد لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما منازع في إمامتهما لا هؤلاء ولا غيرهم. وهذا سلمان كان أميرًا على مدائن كسرى من قبل عمر يدعو إلى إمامته وطاعته .. وهذا عمّار كان أميرًا من قبل عثمان - رضي الله عنه - على الكوفة، وهذا المقداد وغيره كانوا في عساكر الصّحابة وغزواتهم، فكيف يمشي تلبيس الرافضة؟" [أبو المحاسن الواسطي/ المناظرة: الورقة (66)].

سادسًا: من المعلوم المقطوع به من وقائع التاريخ وأحداثه المعلومة المستفيضة حال الصحابة رضوان الله عليهم، وأنهم لم يؤثروا على الله شيئًا، وبلغ المكروه بهم كل مبلغ، وبذلوا النفوس في الله حتى أيد الله تعالى بهم نبيه، وأظهر بهم دينه، فكيف يجسر على الطعن عليهم من عرف الله ساعة في عمره؟ أم كيف يجترئ على سبّهم وانتقاصهم من يزعم أنه مسلم؟! [التنبيه والرد: ص10-11.] ولهذا قال الخطيب البغدادي: "على أنه لو لم يرد من الله عز وجل فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم والاعتقاد بنزاهتهم" [الكفاية: ص49، وانظر مثل هذا المعنى: الإيجي/ المواقف: ص413.].

ومن يراجع أحداث السيرة وما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه من أذى واضطهاد، حتى رمتهم العرب عن قوس واحدة، وتحملوا اضطهاد قريش في بطحاء مكة، وقاسوا مرارة المقاطعة وشدة الحصار في الشعب، وعانوا من فراق الوطن والأهل والعشيرة فهاجروا إلى الحبشة، والمدينة، وقاموا بأعباء الجهاد وتضحياته، وحاربوا الأهل والعشيرة، إلى آخر ما هو مشهور ومعلوم من حالهم.

من يتأمل شيئًا من هذه الأحوال، يعرف عظمة ذلك الجيل، وقوة إيمانه، وصدق بلائه.

سابعًا: قامت القرائن العملية، والأدلة الواقعية من سيرة أمير المؤمنين علي في علاقته مع إخوانه أبي بكر وعمر وعثمان مما اشتهر وذاع ونقله حتى الروافض ما يثبت المحبة الصادقة، والإخاء الحميم بين هذه الطليعة المختارة، والصفوة من جيل الصحابة رضوان الله عليهم.

وتأتي في مقدمة هذه الأدلة والقرائن تزويج أمير المؤمنين علي ابنته أم كلثوم لأمير المؤمنين عمر [انظر: عقد أم كلثوم للشيخ فاروقي، محمد صديق/ التحقيق الجلي في تزويج أم كلثوم بنت علي.]. فإذا كان عمر فاروق هذه الأمة قد صار عند الاثني عشرية أشد كفرًا من إبليس، أفلا يرجعون إلى عقولهم ويتدبروا فساد ما ينتهي إليه مذهبهم؟! إذ لو كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما كافرين لكان علي بتزويجه ابنته أم كلثوم الكبرى من عمر رضي الله عنه كافرًا أو فاسقًا معرضًا بنته للزنا، لأن وطء الكافر للمسلمة زنا محض!!! [السمعاني/ الأنساب: 1/347.].

والعاقل المنصف البريء من الغرض، الصادق في تشيعه لا يملك إلا الإذعان لهذه الحقيقة، حقيقة الولاء والحب بين الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم، ولذلك لما قيل لمعز الدولة أحمد بن بويه - وكان رافضيًا يشتم صحابة رسول الله -: "إن عليًا - عليه السلام - زوج ابنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب، استعظم ذلك وقال: ما علمت بهذا، وتاب وتصدق بأكثر ماله وأعتق مماليكه ورد كثيرًا من المظالم وبكى حتى غشي عليه" [ابن الجوزي/ المنتظم: 7/38-39.] لشعوره بعظيم جرمه فيما سلف من عمره، الذي أمضاه ينهش في أعراض هؤلاء الأطهار مغترًا بشبهات الروافض.

وقد حاول شيوخ الشّيعة إبطال مفعول هذا الدّليل فوضعوا روايات الأئمّة تقول: "ذلك فرج غصبناه" [فروع الكافي: 2/10، وسائل الشّيعة: 7/ 434-435.]، فزادوا الطين بلة، حيث صوّروا أمير المؤمنين في صورة "الدّيّوث" الذي لا ينافح عن عرضه، ويقر الفاحشة في أهله، وهل يتصور مثل هذا في حق أمير المؤمنين علي؟! "إنّ أدنى العرب يبذل نفسه دون عرضه، ويُقتل دون حرمه، فضلاً عن بني هاشم الذين هم سادات العرب وأعلاها نسبًا وأعظمها مروءة وحمية، فكيف يثبتون لأمير المؤمنين مثل هذه المنقصة الشنيعة، وهو الشجاع الصنديد، ليث بني غالب، أسد الله في المشارق والمغارب؟!" [السويدي/ مؤتمر النّجف: ص86.].

ويبدو أن بعضهم لم يعجبه هذا التوجيه، فرام التخلص من هذا الدليل بمنطق أغرب وأعجب، حيث زعم أنّ أم كلثوم لم تكن بنت علي ولكنّها جنّيّة تصوّرت بصورتها!!! [انظر: الأنوار النّعمانيّة: 1/ 83-84، وقد جاء مثل هذا التّوجيه في كتب الإسماعيليّة. انظر: الهفت الشّريف: ص84 وما بعدها.].

ومن القرائن أيضًا علاقات القربى القائمة بينهم، ووشائج الصلة، وكذلك مظاهر المحبة، حتى إنّ عليًّا والحسن والحسين يسمّون بعض أولادهم باسم أبي بكر وعمر، وهل يطيق أحد أن يسمي أولاده بأسماء أشد أعدائه كفرًا وكرهًا له؟ وهل يطيق أن يسمع أسماء أعدائه تتردد في أرجاء بيته، يرددها مع أهلها في يومه مرات وكرات؟! [انظر ما سجّله محبّ الدّين الخطيب من علاقات المصاهرة بين الآل والأصحاب وأولاد آل البيت الذين يحملون أسماء الخلفاء الثّلاثة وغيرهم من الصّحابة في كتابه: "حملة رسالة الإسلام الأوّلون وما كانوا عليه من المحبّة والتّعاون" ص:11 وما بعدها، أو "نشأة التّشيّع وتطوّره": ص12 وما بعدها، وانظر: ما سجّله إحسان إلهي ظهير ممّا نقله من كتب الشّيعة في هذا الباب في كتابه "الشّيعة وأهل البيت"، ممّا لا حاجة لتكرار نقله هنا.].

 

[1] - هذا من وضع الجهّال، فعدد الصّحابة الذين شهدوا معه صلى الله عليه وسلم حنينًا اثنا عشر ألفًا سوى الأتباع والنّساء، وجاءت إليه هوازن مسلمين، وترك مكّة مملوءة ناسًا، وكذلك المدينة أيضًا، وكلّ من اجتاز به من قبائل العرب كانوا مسلمين، فهؤلاء كلّهم لهم صحبة، وقد شهد معه تبوك من الخلق الكثير ما لا يحصيهم ديوان، وكذلك حجّة الوداع وكلّهم له صحبة. (ابن الأثير/ أسد الغابة: 1/12).

قال أبو زرعة: توفي النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ومن رآه وسمع منه زيادة عن مائة ألف إنسان من رجل وامرأة. (تدريب الرّاوي: 2/221، الإصابة: ص4، الذهبي/ تجريد أسماء الصّحابة صلى الله عليه وسلم: ص(ب)، والمعتمد أنّه ليس هناك تحديد ثابت لهم. انظر: السّخاوي/ فتح المغيث: 3/111).

[2] - انظر: ميثم البحراني/ شرح نهج البلاغة: 4/97.

[3] - ميثم بن علي البحراني (كمال الدين) من شيوخ الإمامية، من أهل البحرين، من كتبه: "شرح نهج البلاغة"، توفي في البحرين سنة 679ه‍ (معجم المؤلفين: 13/55).

  

إتصل بنا المرأة المسلمةصوتياتخطب منبريةنافذة على الواقع  وهران وضواحيهاالتعريف بالموقعالصفحة الرئيسة 


يسمح من الاستفادة من محتوى الموقع لأغراض علمية ودعوية ، على أن تكون الإشارة عند الاقتباس إلى الموقع
www.Minbarwahran.net