إتصل بناالأسرة المسلمةصوتياتخطب منبريةنافذة على الواقعوهران و ضواحيهاالتعريف بالموقعالصفحة الرئيسة 

 

     القرآن و علومه  
الحديث و علومه
العقيدة        
المنهاج       
الفقه و أصوله    
تزكية النفوس    
التاريخ والسير  
  اللغة و الأدب  
 أفكار هدامة   
متفرقات     

 

فضلُ العشرِ الأواخر وليلةِ القدر والحثُّ على اغتنامها

كتبه أبو  الهيثم بلحسن

 


 

 إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا.

من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه .

وبعد:

إن شهر رمضان قد عزم على الرحيل وأوشك على التمام، ولم يبق منه إلا بعض الليالي والأيام، فمن كان يريد النجاة والفوز عند الملك العلاّم، فليحرص أن يختمه بصالح العمل فإن العمل بالختام، "يا شهر رمضان تَرَفَّق، دموع المحبين تَدَفَّق، قلوبهم من ألم الفراق تَشَقَّق، عسى وقفة للوداع تُطْفِئ من نار الشوق ما أَحْرَق، عسى ساعة توبة وإقلاع تَرْفُو من الصيام كُلَّما تَخَرَّق، عسى مُنْقَطع عن رَكْب المقبولين يلحق، عسى أسير الأوزار يُطْلَق، عسى من استوجب النار يُعتق، عسى رحمة المولى لها العاصي يُوَفَّق"[1].

هذا وإن كان قد ذهب من هذا الشهر أكثرُه، فقد بقي فيه أجلّه وأفضله، لقد بقي فيه العشر الأواخر التي فيها ليلة هي من أفضل ليالي العام، هي ليلة القدر خير من ألف شهر، أنزل الله فيها أفضل الكلام على أفضل الأنام، ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَام﴾ [المائدة/16] قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)﴾، هي ليلة مباركة كثيرة الخير والبركة، وفيها يُفرق كل أمر حكيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6)﴾ [الدخان/3-6]. أي يُفصل من اللوح المحفوظ إلى الملائكة الكاتبين كلُّ ما هو كائن في تلك السنة من الأرزاق والآجال والخير والشر، وغير ذلك من أوامر الله المحكمة العادلة.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من قام ليلة القدر إيمانا واحتساباً غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه". وفي المسند والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في شهر رمضان:"فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حُرِم".[2] وقال النخعي رحمه الله: "العمل فيها خير من العمل في ألف شهر"، وقد حسب بعض العلماء "ألف شهر" فوجدوها ثلاثاً وثمانين سنة وأربعة أشهر، فمن وُفّق لقيام هذه الليلة وأحياها بأنواع العبادة، فكأنه يظل يفعل ذلك أكثر من ثمانين سنة، قال مالك: "بلغني أن-النبي-صلى الله عليه وسلم أُرِيَ أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغه غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ليلة القدر خيرا من ألف شهر"[3].

لأجل ذلك كلِّه كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرّى ليلة القدر في رمضان حتى أوحي إليه أنها في العشر الأواخر، جاء في صحيح مسلم من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ ( والقبة: الخيمة وكلّ بنيان مدوّر ) عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ قَالَ فَأَخَذَ الْحَصِيرَ بِيَدِهِ فَنَحَّاهَا فِي نَاحِيَةِ الْقُبَّةِ ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ فَدَنَوْا مِنْهُ فَقَالَ: "إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِي إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ" فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ"[4].

فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد علمه بذلك يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها، فقد جاء صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لاَ يَجْتَهِدُ في غَيْرِهِ".
و
في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله"وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: "أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ".

-(شدّ مئزره):أَيْ اِعْتَزَلَ النِّسَاء، ويَحْتَمِل أَنْ يُراد بِهِ الْجِدَّ فِي الْعِبَادَةِ كَمَا يُقَالُ شَدَدْت لِهَذَا الْأَمْر مِئْزَرِي أَيْ تَشَمَّرْت لَهُ، وَيَحْتَمِل أَنْ يُرَاد التَّشْمِير وَالِاعْتِزَال مَعًا،فيكون المعنى: اعْتَزَلَ النِّسَاء وَشَمَّرَ لِلْعِبَادَةِ. ويقوي الاحتمال الأول رواية عَاصِم بْن ضَمْرَة "شَدَّ مِئْزَرَهُ وَاعْتَزَلَ النِّسَاءَ"[5]

-و(أحيا ليله): أي استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها . وقد جاء في حديث عائشة الآخر رضي الله عنها قَالَتْ: " وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ وَمَا صَامَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا إِلاَّ رَمَضَانَ. "[6] فَيُحمل قولها " أحيا الليل" على أنه يقوم أغلب الليل لا كلَّّه. أو يكون المعنى أنه يقوم الليل كله لكن يتخلل ذلك العشاء والسحور وغيرهما، فلا تنافي بين الحديثين، لأن إحياء الليل الثابت في العشر يكون بالصلاة والقراءة والذكر والسحور ونحو ذلك من أنواع العبادة، والذي نفته، هو إحياء الليل بالقيام فقط.
-وقولها: "وأيقظ أهله" أي: أيقظ أزواجه للقيام
.

ومن شدة اجتهاده صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في المسجد، لما في الاعتكاف من جمعية القلب على الله والتفرغِ لطاعته سبحانه، وقد مضى حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأولى والعشر الوسطى ثم لزومه الاعتكاف في العشر الأواخر، وجاء في صحيح البخاري عن أبي هريرةرضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يوماً".

فقد دلت هذه الأحاديث على فضيلة العشر الأواخر من رمضان، وشدة حرص النبي صلى الله عليه وسلم على اغتنامها والاجتهاد فيها بأنواع القربات والطاعات، كل ذلك التماسا لليلة القدر، فعلى المسلم أن يُفَرِّغ نفسه في هذه الأيام، ويُخفّف من الاشتغال بالدنيا، ويَجتهد فيها بأنواع العبادة من صلاة وقراءة ودعاء وغيرها من القربات، عساه أن يُوَفَّق لليلة القدر فيحظى بأجرها ويفوز بخيرها. وليتأمل العبد في عظيم رحمة الله وكرمه، وسعة جوده وعطائه، وجميل لطفه وإفضاله، حيث مَنَّ على هذه الأمة بهذه الليلة المباركة، ثم أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أنها في هذه الأيام المعدودة، حتى يَسهُل على العباد طلبُها، فيا خسارة من ضيعها وفَرَّط فيها، وصدق رسول اللهصلى الله عليه وسلم حيث قال: "من حرم خيرها فقد حرم".

فليحرص المرء على طلبها وتحصيل خيرها، فإنما هي أيام قلائل يتعب فيها الإنسان وينصب، ومن حرص على شيء جدَّ في طلبه، وهان عليه التعب في سبيل تحصيله وبلوغه، وإن الجنة حُفّت بالمكاره، وهي غالية نفيسة، لا تُنال بالنوم والكسل، والإخلاد إلى الأرض، واتِّبَاع هوى النفس. يقول النبي صلى الله عليه وسلم "من خاف أدلج - يعني سار من أول الليل- ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة". فالمؤمن مسافر إلى الله والدار الآخرة، فمن كان جاداً في سفره، تاركاً للنوم والكسل، متحملاً لمشاق السفر، فإنه يصل إلى غايته، ويحمد عاقبة سفره وتعبه، وعند الصباح يحمد القوم السرى.

فاغتنم أخا الإيمان بقية شهرك من هذه الأيام القلائل فيما يقرِّبك إلى ربِّك، وبالتزوُّد لآخرتك، وإليك بعض الأعمال التي ينبغي أن تحرص عليها في هذه الليالي الفاضلات، عساك توافق ليلة القدر فتسبق إلى الله سبقا عظيما وتفوز فوزا كبيرا:

·       الحرص على صلاة الجماعة في المسجد:

وذلك بصلاة المغرب والعشاء والصبح في جماعة، فما تقرب العبد إلى ربه بمثل ما افترض عليه، "قال مالك في الموطأ بلغني أن ابن المسيب قال: من شهد العشاء ليلةَ القدر ـ يعني في جماعة ـ فقد أخذ بحظه منها وكذا قال الشافعي في القديم: من شهد العشاء والصبح ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها"[7]

·       الحرص على إحياء هذه الليالي الفاضلة:

 بالصلاة والقرآن والذكر والدعاء، والرَغَّب إلى رب الأرض والسماء، قال ابن رجب رحمه الله[8]: "و أما العمل في ليلة القدر فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [ من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ] وقيامها إنما هو إحياؤها بالتهجد فيها والصلاة وقد أمر عائشة بالدعاء فيها أيضا، قال سفيان الثوري: الدعاء في تلك الليلة أحب إلي من الصلاة، قال: وإذا كان يقرأ وهو يدعو ويرغب إلى الله في الدعاء والمسألة لعله يوافق. انتهى. ومراده أن كثرة الدعاء أفضل من الصلاة التي لا يكثر فيها الدعاء وإن قرأ ودعا كان حسنا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتهجد في ليالي رمضان ويقرأ قراءة مرتلة لا يمر بآية فيها رحمة إلا سأل ولا بآية فيها عذاب إلا تَعَوَّذ فيجمع بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكر وهذا أفضل الأعمال وأكملها في ليالي العشر وغيرها والله أعلم"

وليكثر المرء من الدعاء الذي علّمه النبي صلى الله عليه وسلم عائشةَ رضي الله عنها حيث قالت: "قال يارسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟" قال: "قولي اللهمّ إنّك عفوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي"[9] (العفو من أسماء الله تعالى وهوالذي يتجاوز عن سيئات عباده، الماحي لأثارهم عنهم، وهو يحب العفوَ، فيحب أن يعفوَ عن عباده، ويحب من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض، فإذا عفا بعضهم عن بعض عاملهم بعفوه، وعفوه أحب إليه من عقوبته)[10]

ومما ينبغي أن يَحْرِصَ عليه العبد ويعتني به اعتناء عظيما: صلاح القلب، فإن أعمال القلوب أعظم من أعمال الجوارح، إذ "لا يصلح لمناجاة الملك في الخلوات إلا من زَيَّنَ ظاهره وباطنه وطَهَّرَهُما، خصوصا لِمَلِكِ الملوك الذي يعلم السِّرَّ وأَخْفَى، وهو لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فمن وَقَفَ بين يديه فليُزَيِّن له ظَاهرَه باللِّباس وباطنَه بلباس التَّقوى"[11]، فليحرص العبد على أن يُقْبِلَ على الله بقلبٍ منيبٍ مُخْبِتٍ إلى ربِّه، سليمٍ من أمراض الشهوات والشبهات، ومن إرادة غير وجه الله تعالى، وإنما يتقبل الله من المتقين، قال ابن رجب رحمه الله: "قال جُوَيْبِر: قلت للضحاك: أرأيت النُّفَسَاء والحائض والمسافر والنائم لهم في ليلة القدر نصيب؟ قال: "نعم كلُّ من تَقَبَّل الله عملَه سيعطيه نصيبه من ليلة القدر".

 إخواني المعول على القبول لا على الاجتهاد والاعتبار ببر القلوب لا بعمل الأبدان رُبَّ قائمٍ حظُّه من قيامه السهر، كم من قائم محروم، وكم من نائم مرحوم، هذا نام وقلبه ذاكر، وهذا قام وقلبه فاجر

 ( إن المقادير إذا ساعدت ... ألحقت النائم بالقائم )

 لكن العبد مأمور بالسعي في اكتساب الخيرات والاجتهاد في الأعمال الصالحات وكل ميسر لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل/5-10] "فالمبادرة إلى اغتنام العمل فيما بقي من الشهر فعسى أن يستدرك به ما فات من ضياع العمر."[12]

·       الاجتهاد في تحري ليلة القدر:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان"، وهي في الأوتار منها أحرى وأرجى، جاءفي الصحيحين أن النبي قال: "التمسوها في العشر الأواخر في الوتر" أي في ليلة إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى"[13].وفي صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا ليلة القدر فَتَلاحَى ( أي تخاصم وتنازع ) رجلان من المسلمين، فقال صلى الله عليه وسلم: خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلانٌ وفلانٌ فرُفِعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة"[14]. أي في الأوتار .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لكن الوتر يكون باعتبار الماضي فتُطْلَب ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة سبع وعشرين، وليلة تسع وعشرين، ويكون باعتبار ما بقي كما قال النبي صلى
الله عليه وسلم: " لتاسعة تبقى، لسابعة تبقى، لخامسة تبقى، لثالثة تبقى " فعلى هذا إذا كان الشهر ثلاثين يكون ذلك ليالي الأشفاع وتكون الاثنان والعشرون تاسعة تبقى، وليلة أربع وعشرين سابعة تبقى، وهكذا فسره أبو سعيد الخدري في الحديث الصحيح، وهكذا أقام النبي صلى الله عليه وسلم في الشهر، وإذا كان الأمر هكذا فينبغي أن يتحراها المؤمن في العشر الأواخر جميعه ". انتهى المقصود من كلامه رحمه الله[15].)

وليلة القدر في السبع الأواخر أرجى وآكد، ولذلك جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنه أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام، في السبع الأواخر، فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: "أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر".[16] ولمسلم: "التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضَعُفَ أحدكم أو عجز فلا يُغلبن على السبع البواقي".
وهي في ليلة سبع وعشرين أرجى ما تكون، فقد جاء عن النبي صلى
الله عليه وسلم من حديث ابن عمر عند أحمد ومن حديث معاوية عند أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ليلة القدر ليلة سبع وعشرين " [17]. وكان أبيّ بن كعب رضي الله عنه يحلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، قال زر ابن حبيش: فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول اللهصلى الله عليه وسلم أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها".[18]وجاء في تعيينها بهذه الليلة أحاديث مرفوعة كثيرة.[19]
لكن كونها ليلة سبع وعشرين أمر غالب والله أعلم وليس دائماً، فقد تكون أحياناً ليلة إحدى وعشرين، كما جاء في حديث أبي سعيد المتقدّم، وقدتكون ليلة ثلاث وعشرين كما جاء في رواية عبد الله بن أُنيس رضي الله عنه في صحيح مسلم نحو حديث أبي سعيد لكنه قال: "فمُطرنا ليلة ثلاثة وعشرين "، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: " التمسوها في العشر الأواخر من رمضان في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى".
ورجّح بعض العلماء أنها تتنقل وليست في ليلة معينة كل عام، قال بن حجر: "
وَأَرْجَحهَا كُلّهَا أَنَّهَا فِي وِتْرٍ مِنْ الْعَشْر الْأَخِير وَأَنَّهَا تَنْتَقِل كَمَا يُفْهَم مِنْ أَحَادِيث هَذَا الْبَاب وَأَرْجَاهَا أَوْتَار الْعَشْر"[20] قال النووي رحمه الله: "وهذا هو الظاهر المختار لتعارض الأحاديث الصحيحة في ذلك، ولا طريق إلى الجمع بين الأحاديث إلا بانتقالها "[21].
وإنما أخفى الله تعالى هذه الليلة ليجتهد العباد في طلبها، ويجدّوا في العبادة، ومن رحمة الله بعباده أن بَيَّنَ النبي صلى
الله عليه وسلم علاماتها، فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليلة القدر ليلة سمحة طلقة لا حارة ولا باردة تصبح الشمس صبيحتها ضعيفة حمراء" [22]

(سمحة طلقة): قال ابن الأثير: "أي سَهْلة طَيِّبة . يقال يوم طَلْقٌ وليلةٌ طَلْقٌ وطَلْقة إذا لم يكن فيها حرٌّ ولا بَرْد يُؤْذِيَان"[23]

وقد حديث أبي رضي الله عنه وقوله فيه: "وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ في صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لاَ شُعَاعَ لَهَا"[24].

·       الحرص على إيقاظ الأهل للقيام في هذه الليالي:

قال ابن رجب رحمه الله تعالى: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله للصلاة في ليالي العشر دون غيره من الليالي، وفي حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قام بهم ليلة ثلاث وعشرين وخمس وعشرين ذكر أنه دعا أهله ونساءه ليلة سبع وعشرين خاصة، وهذا يدل على انه يتأكد إيقاظهم في آكد الأوتار التي ترجى فيها ليلة القدر، وخرج الطبراني [من حديث علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان وكل صغير وكبير يطيق الصلاة][25] قال سفيان الثوري: أحب إلي إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل ويجتهد فيه ويُنْهِض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم [أنه كان يطرق فاطمة وعليا ليلا فيقول لهما ألا تقومان فتصليان]، وكان يوقظ عائشة بالليل إذا قضى تهجده وأراد أن يوتر، وورد الترغيب في إيقاظ أحد الزوجين صاحبه للصلاة ونضح الماء في وجهه[26]، وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة يقول لهم: الصلاة الصلاة ويتلو هذه الآية: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه/132] الآية، كانت امرأة حبيب بن أبي محمد تقول له بالليل: قد ذهب الليل وبين أيدينا طريقٌ بعيدٌ وزَادٌ قليلٌ، وقَوَافِلُ الصالحين قد سارت قُدَّامَنا ونحن قد بقينا"[27]

نسأل الله أن يوفقنا لقيام ليلة القدر إيمانا واحتسبا، وأن يعفوَ عنَّا، وأن يعاملَنا بلُطْفِه إنه رحيم وَدُود، عفُوٌّ غفور، سميع مجيب.


[1] لطائف المعارف - (ج 1 / ص 232)

 [2] صححه أحمد شاكر

[3] موطأ الإمام مالك،باب ما جاء في ليلة القدر. قال ابن عبد البر:هذا أحد الأحاديث الأربعة التي لا توجد في غير الموطأ لا مسندا ولا مرسلا، وليس منها حديث منكر، ولا ما يدفعه أصل. انظر الاستذكار(3/417)

[4] صحيح مسلم 1167 وتتمة الحديث: "فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ قَالَ « وَإِنِّى أُرِيتُهَا لَيْلَةَ وِتْرٍ وَأَنِّى أَسْجُدُ صَبِيحَتَهَا فِى طِينٍ وَمَاءٍ ». فَأَصْبَحَ مِنْ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَقَدْ قَامَ إِلَى الصُّبْحِ فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فَأَبْصَرْتُ الطِّينَ وَالْمَاءَ فَخَرَجَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ وَجَبِينُهُ وَرَوْثَةُ أَنْفِهِ فِيهِمَا الطِّينُ وَالْمَاءُ وَإِذَا هِىَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ."

 [5] انظر فتح الباري:( 310/6)

[6] صحيح مسلم

[7] لطائف المعارف - (1 / 207)

 [8] لطائف المعارف - (1 / 228)

[9] رواه الترمذي وابن ماجة وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة

[10] لطائف المعارف - (ج 1 / ص 228)

 [11] لطائف المعارف - (1 / 207)

[12] لطائف المعارف - (1 / 207)

 [13] رواه البخاري ( 1917 - 1918 )

[14] البخاري ( 1919 )

[15] الفتاوى 25/284،285

[16] رواه البخاري ( 1911 ) ومسلم ( 116 5 )

[17]قال الألباني: ( صحيح )صحيح أبي داود - (ج 1 / ص 260) 1236 -

 [18]رواه مسلم 2/268  

[19] قيام رمضان.ص:12

[20] الفتح(306/6)

[21] المجموع 6/450

[22] الجامع الصغير وزيادته - (ج 1 / ص 961) قال الشيخ الألباني : ( صحيح ) انظر حديث رقم : 5475 في صحيح الجامع

[23] النهاية في غريب الأثر - (ج 3 / ص 299)

[24] صحيح مسلم - (ج 2 / ص 178)

[25] رواه الطبراني في الأوسط،   في إسناده عبد الغفار بن القاسم وهو ضعيف(مجمع الزوائد)، و رواه الترمذي عن علي مختصرا بلفظ:" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان" وقال الألباني: صحيح

[26] عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت فإن أبت نضح في وجهها الماء . رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فصلى فإن أبى نضحت في وجهه الماء " . رواه أبو داود والنسائي وقال الألباني: صحيح

[27] لطائف المعارف - (ج 1 / ص 207)

 


إتصل بنا المرأة المسلمةصوتياتخطب منبريةنافذة على الواقع  وهران وضواحيهاالتعريف بالموقعالصفحة الرئيسة 


يسمح من الاستفادة من محتوى الموقع لأغراض علمية ودعوية ، على أن تكون الإشارة عند الاقتباس إلى الموقع
www.Minbarwahran.net