إتصل بناالأسرة المسلمةصوتياتخطب منبريةنافذة على الواقعوهران و ضواحيهاالتعريف بالموقعالصفحة الرئيسة 

 

     القرآن و علومه  
الحديث و علومه
العقيدة        
المنهاج       
الفقه و أصوله    
تزكية النفوس    
التاريخ والسير  
  اللغة و الأدب  
 أفكار هدامة   
متفرقات     

الإعلام بأخطاء الناس في القيام

(تنبيهات على بعض أخطاء الناس في صلاة التراويح)


  كتبه أبو الهيثم بلحسن

بـسـم الله الـرحـمـن الـرحـيـم

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالِناَ، من يهده اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلِل فَلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً.

    وبعد:

إنّ صلاة التراويح صلاة عظيمة مباركة، سنّها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحيتها الأمة من بعده، وهي من قيام الليل، وقيامُ الليل أفضل صلاة بعد الفريضة كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه[1]، وهو شرف المؤمن، ففي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أتاني جبريل فقال: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزُّه استغناؤه عن الناس"[2]، وهو دأب الصالحين وسرّ المتقين، الذين تجافَت جُنوبُهم عن المضاجع يدعون الله تعالى خوفاً وطمعاً، يرجون رحمته ويخافون عذابه. وقيامُ ليل رمضان ليس ككل ليل، فقيام ليله شرفٌ على شرف، إذ له خصوصية عن بقيةِ ليالي العام، لقوله عليه الصلاة والسلام: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"، وقيامه إيمانا واحتسابا: هو إحياء لياليه بالعبادة والقيام، تصديقا ورجاءً للثواب، وإخلاصا في التقرب.

ولما كان الأمر كذلك كان لابد من الاعتناءِ بهذه العبادة الفاضلة، والحرصِ على أدائها على الوجه الذي يُرضي الله سبحانه وتعالى.

وإن المتأمِّلَ اليوم، في واقع المسلمين في صلاتهم للتراويح، يرى أخطاءً كثيرة يقع فيها جمهورُ المُصلِّين، حتّى من أئمَّة المساجد والله المستعان، مما يَأْسَف لها كلّ مسلم غيور على دينه.

 وانطلاقا من واجب النصح و البيان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كانت هذه التنبيهات على بعض الأخطاء التي شاعت وذاعت في كثير من المساجد.

وقد ضمَّنْتُ بَحْثِي هذا التنبيهَ على بعض الأخطاء التي دَرَجَ عليها بعض الناس في صلاة التراويح، من إحداثِ أقوال مخترعة، وتركِ بعض السنن المستحبَّة مما يُفَوِّتُ عليهم الأجر العظيم، وفعلِ بعض الأفعال التي تُخِّل بصلاتهم، "ولا يخفى أنّ محوَ اعتقاد غير الصواب من صدور العامة، بتمحيص الحق، باب عظيم من أبواب الدعوة إلى الخير"[3]

ونسأل الله الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الفقه في الدين والثبات عليه والدعوة إليه إنه ولي ذلك والقادر عليه.

من جملة أخطاء الناس صلاة التراويح ما يلي:

·       الذّكر الجماعي:

من البدع الشنيعة التي شابت هذه العبادة الجليلة؛ ما يفعله كثير من الناس في زماننا من الذكر الجماعي بصوت واحد بعد كل تسليمة أو تسليمتين من صلاة التراويح، قال ابن الحاج المالكي في المدخل:" فَصْلٌ فِي الذِّكْرِ بَعْدَ التَّسْلِيمَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ: وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَنَّبَ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الذِّكْرِ بَعْدَ كُلِّ تَسْلِيمَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَمِنْ رَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ بِذَلِكَ وَالْمَشْيِ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الْبِدَعِ."[4]

 فإن هذا الذِّكر الجماعي الذي أحدثه الناس في عباداتهم ليس له أصل في دين الله تعالى، إذ لم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة الكرام أنهم كانوا يذكرون الله جماعة، ولم يفعله السلف الصالح رضي الله عنهم، بل أنكروا على من فعل ذلك.

وتفصيل القول في بيان بدعية هذا الذكر الجماعي مايلي[5]:

أولاً: أن الذكر الجماعي لم يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ولا حثَّ الناسَ عليه، ولو أمر به أو حثَّ عليه لنُقل ذلك عنه- عليه الصلاة والسلام-، وكذلك لم يُنقل عنه الاجتماع للدعاء بعد الصلاة مع أصحابه.

قال الشاطبي المالكي: ((الدعاء بهيئة الاجتماع دائماً لم يكن من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم))[6].

وقال كذلك رحمه الله في بيان البدع الإضافية ما نصه: ((كالجهر والاجتماع في الذكر المشهور بين متصوفة الزمان. فإنَّ بينه وبين الذكر المشروع بَوناً بعيداً إذ هما كالمتضادين عادة))[7].

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((لم يَنْقُل أحدٌ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى بالناس يدعو بعد الخروج من الصلاة هو والمأمومون جميعاً، لا في الفجر، ولا في العصر، ولا في غيرهما من الصلوات.))[8].

ثانياً: فعل السلف من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان، فإنهم قد أنكروا على من فعل هذه البدعة، ولو لم يكونوا يعدون هذا العمل شيئاً مخالفاً للسنة ما أنكروا على فاعله، ولا شدّدوا في الإنكار عليه، فممَّن أنكر من الصحابة هذا العمل:

1 - عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فقد روى ابن وضاح المالكي[9] بسنده إلى أبي عثمان النهدي قال: (كتب عامل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه إليه: أن ها هنا قوماً يجتمعون، فيدعون للمسلمين وللأمير. فكتب إليه عمر: أقبل، وأقبل بهم معك. فأقبلَ، فقال عمر للبواب: أعِدَّ سوطاً، فلما دخلوا على عمر، أقبل على أميرهم ضرباً بالسوط. فقلت: يا أمير المؤمنين إننا لسنا أولئك الذي يعني، أولئك قوم يأتون من قبل المشرق)[10].

2 - عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: وذلك في الكوفة، فعن أبي البختري قال: أخبر رجلٌ ابنَ مسعود رضي الله عنه أن قوماً يجلسون في المسجد بعد المغرب، فيهم رجل يقول: كبروا الله كذا، وسبحوا الله كذا وكذا، واحمدوه كذا وكذا، واحمدوه كذا وكذا. قال عبد الله: فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني، فأخبِرني بمجلسهم. فلما جلسوا، أتاه الرجل، فأخبره. فجاء عبد الله بن مسعود، فقال: والذي لا إله إلا غيره، لقد جئتم ببدعة ظلماً، أو قد فضَلتم أصحاب محمد علماً. فقال عمرو بن عتبة: نستغفر الله. فقال: (عليكم الطريق فالزموه، ولئن أخذتم يميناً وشمالاً لتَضِلُّنَّ ضلالاً بعيداً.)[11].

3 - خباب بن الأرت رضي الله عنه: فقد روى ابن وضاح بسند صحيح عن عبد الله بن أبي هذيل العنزي عن عبد الله بن الخباب قال: (بينما نحن في المسجد، ونحن جلوس مع قوم نقرأ السجدة ونبكي. فأرسل إليَّ أبي. فوجدته قد احتجز معه هراوة له. فأقبل عليَّ. فقلت: يا أبت! مالي مالي؟! قال: ألم أرك جالساً مع العمالقة[12] ؟ ثم قال: هذا قرن خارجٌ الآن)[13]، كما أنكر عامة التابعين رحمهم الله تعالى كذلك هذه البدع ومن جملة ذلك: ما نُقل عن الإمام مالك رحمه الله في إنكار ذلك، وسيأتي ذكره قريبا إن شاء الله.

فهذه النُقول توضح أن السلف - رضي الله عنهم - كانوا لا يرون مشروعية الاجتماع للذكر بالصورة التي أحدثها الخلف. ولله در السلف! ما كان خيرٌ إلا سبقوا إليه، ولا كانت بدعة منكرة إلا كانوا أبعد الناس عنها، محذرين منها. فما من إنسان يخالف هديهم إلا كان تاركاً لسبيل الخير، معرضاً عنها، مقتحماً أبواب الضلال.

فلو كان الذكر الجماعي مشروعاً أو مستحباً لفعله السلف، ولو فعلوه لنُقل عنهم، ولَوَرَدَ إلينا. فلما لم يُنقل ذلك عنهم، بل نُقل عنهم ما يخالف ذلك من الإنكار على فاعله، كما حدث من عمر، وابن مسعود، وغيرهما. دل ذلك على أن هذا العمل غير مشروع أصلاً.

ثالثاً: النصوص العامة التي فيها المنع من الابتداع في الدين، كحديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)[14]. ومعلوم أن الذكر الجماعي لم يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدل عليه، فلو شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمر به وحث الناس عليه، ولشاع ذلك عنه صلى الله عليه وسلم بينهم مع قيام المقتضى.

رابعاً: أن في القول باستحباب الذكر الجماعي استدراكاً على شريعة النبي صلى الله عليه وسلم بحيث إن المبتدعين له شرعوا أحكاماً لم يشرعها النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ.﴾  [الشورى/21]. قال السعدي في تفسير هذه الآية : (..﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ.﴾ من الشرك والبدع وتحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله، ونحو ذلك، مما اقتضته أهواؤهم مع أن الدين لا يكون إلا ما شرعه الله تعالى، ليدين به العباد ويتقربوا به إليه . فالأصل: الحجر على كل أحد أن يشرع شيئاً ما جاء عن الله ولا عن رسوله ...).اهـ[15] فلما لم يشرع النبي صلى الله عليه وسلم لأمته هذا العمل، دل ذلك على بدعيته.

خامساً: أن في هذا الذكر بصوت واحد تشبهاً بالنصارى الذين يجتمعون في كنائسهم لأداء التراتيل والأناشيد الدينية بصوت واحد. هذا مع كثرة النصوص الشرعية التي وردت في النهي عن التشبه بأهل الكتاب، والأمر بمخالفتهم.

سادساً: أن فيه مفاسد عديدة تقطع بعدم جوازه، فمن هذه المفاسد:

1 - التشويش على المصلين والتالين للقرآن مع ورود النهي عن هذا التشويش، ومنها على سبيل المثال قوله صلى الله عليه وسلم: ((ألا إنَّ كلَّكم مناجٍ ربَّه. فلا يُؤْذِيَنَّ بعضُكم بعضاً،  ولا يرفع بعضُكم على بعض في القراءة))[16]. وقال الزركشي: (السنة في سائر الأذكار الإسرار إلا التلبية.)[17]

2 - الخروج عن السمت والوقار الذين يجب على المسلم المحافظة عليهما.

3 - أن اعتياد الذكر الجماعي قد يدفع بعض الجُهَّال والعامَّة إلى الانقطاع عن ذكر الله إذا لم يجدوا من يجتمع معهم لترديد الذكر جماعة كما اعتادوا.

4 - أنه قد يحصل من بعض الذاكرين أحياناً تقطيع بعض الأذكار حتى يتمكن قِصار النَفَس من الترديد مع طوال النَفَس.

 وأختم هذا المبحث بما ذُكِر عن الإمام مالك رحمه الله تعالى في إنكاره الذكر الجماعي:

- جاء في كتاب (الدر الثمين والمورد المعين ص 173 ، 212) للشيخ محمد بن أحمد مَيَّارة المالكي: "كره مالك وجماعة من العلماء لأئمة المساجد والجماعات الدعاء عقيب الصلوات المكتوبة جهراً للحاضرين."

- وجاء في (مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل ج 4 / ص 387): "قَالَ فِي الْمَدْخَلِ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ الْقِرَاءَةَ جَمَاعَةً وَالذِّكْرَ جَمَاعَةً مِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ انْتَهَى."

- ما جاء في كتاب (الحوادث والبدع ص 62 ، 63 - 68) للطرطوشي المالكي من "كراهية الإمام مالك الاجتماع لختم القرآن في ليلة من ليالي رمضان. وكراهيته الدعاء عقب الفراغ من قراءة القرآن بصورة جماعية".

- نقل الشاطبي في (فتاواه ص: 206 - 208) كراهية مالك الاجتماع لقراءة الحزب، وقوله: إنه شيء أُحدث، وإن السلف كانوا أرغب للخير، فلو كان خيراً لسبقونا إليه.

قال ابن الحاج المالكي: ينبغي أن يُنهى الذاكرون جماعة في المسجد قبل الصلاة، أو بعدها، أو في غيرهما من الأوقات. لأنه مما يشوش بها .

   فمن خلال ما سبق يتبين لنا أن الذكر الجماعي ليس له أصل في دين الله تعالى، إذ لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة الكرام أنهم كانوا يذكرون الله جماعة، ولم يفعله السلف الصالح رضي الله عنهم، بل أنكروا على من فعل ذلك، ولم تنتشر هذه البدعة إلا بقوة السلطان، وذلك على يد المأمون بن هارون الرشيد، لما أمر به ودعا إليه، فقد ذكر ابن كثير في أحداث عام 216 هـ ما نصه: ((وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد، يأمره أن يأمر الناس بالتكبير عقب الصلوات الخمس))[18]. واستمرت هذه الظاهرة منتشرةً بين الرافضة والصوفية ومن تأثر بهم[19]، ثم اعتاده الناس، وشاع بينهم حتى أصبح عندهم كالفريضة. فنسأل الله أن يقيِّضَ لمساجدنا أئمَّة حق ودعاة صدق يَنْهَون عن البدع ويَحْمِلون الناس على السنن، إنّه وليُّ ذلك والقادر عليه.

·       قول المُسَمِّع[20]:"صلاة التراويح يرحمكم الله"

اعتاد كثير من المؤذنين أن يرفعوا أصواتهم قبل صلاة التراويح قائلين:"صلاة التراويح يرحمكم الله" وهذا من البدع المنكرة، قال ابن الحاج المالكي: "وكذلك ينهى عن قول المؤذن بعد ذكرهم بعد التسليمتين من صلاة التراويح: الصلاة يرحمكم الله، فإنه مُحدَث أيضا، والحَدَث في الدين ممنوع، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ثم الخلفاء بعده ثم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ولم يُذكر عن أحد من السلف فعل ذلك فيسعنا ما وسعهم."[21]

ولا يخفى أن ّالنية محلّها القلب، ولم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا عن صحابته عليهم من الله الرضوان، ولا عمّن تبعهم بإحسان، التلفّظ بها، قال أبو عبد الله محمد بن القاسم التونسي المالكي: "النية من أعمال القلوب، فالجهر بها بدعة، مع في ذلك من التشويش على الناس"[22].

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "كان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال " الله أكبر " ولم يقل شيئا قبلها، ولا تلفظ بالنية البتة، ولا قال: أصلي لله صلاة كذا مستقبل القبلة أربع ركعات إماما أو مأموما، ولا قال: أداء ولا قضاء ولا فرض الوقت، وهذه عشر بدع لم ينقل عنه أحد قط بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظة واحدة منها البتة، بل ولا عن أحد من أصحابه، ولا استحسنه أحد من التابعين ولا الأئمة الأربعة."[23]

·       قول المُسَمِّع: "اللهمّ صلّ على محمد" عند القيام إلى كل ركعتين:

يُلحق بما سبق، ما يزيده بعض المسمِّعين عند القيام إلى كل ركعتين من صلاة التراويح من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوت مرتفع، وهذا ممّا لا أصل له في السنة، ولا هو من هدي السلف الصالح، ولو كان خيرا لسبقونا إليه.

ولا يقال: أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيها فضل عظيم فلا مانع من فعلها، وذلك لأن تخصيصها بهذا الموضع هو المنكر لا نفس فعلها، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلاً عَطَسَ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَا أَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَيْسَ هَكَذَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَّمَنَا أَنْ نَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. [رواه الترمذي 2738 والحاكم ( 4 / 265 - 266 ) وقال:  صحيح الإسناد غريب]

·       إسراع الإمام في القراءة:

من الأخطاء المشينة التي أذهبت لذّةَ هذه العبادة العظيمة؛ إسراعُ بعض أئمّة المساجد في القراءة، حتى إنّ بعضهم من شدّة سرعته في القراءة لا تكاد تُفهم قراءته، ويُدمِج الكلمات بعضَها في بعض، ويقرأ الآيات العديدة في نفَس واحد، فلا تكاد تسمع منه إلاّ رؤوس الآيات. قال جمال الدين القاسمي رحمه الله: "لا يخفى أن صلاة التراويح في كل ليلة من رمضان سنةٌ مأثورة، وقد اعتاد كثير من جهلة الأئمة في معظم المساجد أن يخففوها إلى هيئة يقعون بسببها في الإخلال بأركان الصلاة وسننها كتركِ الطمأنينة في الركوع والسجود، وكسردِ القراءة وإدماجِ حروف التلاوة بعضِها في بعض، وكلُّه من الرغبة في العجلة، وهذا وما أشبهه من أعظم مكايد الشيطان لأهل الإيمان، يُبطِل على العامل عملَه مع إتيانه به، بل كثير ممن أطاعوا شيطان العجلة صلاتُهم أقربُ إلى اللعب منها للطاعة."[24]  

 وعملهم هذا فيه محذوران:

الأوّل: مخالفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم في القراءة في الصلاة، فقد جاء في حديث حذيفة في صلاته قال: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ. ثُمَّ مَضَى فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِى رَكْعَةٍ فَمَضَى فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا. ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ." [صحيح مسلم 1850]

وجاء في [سنن أبو داود (4003)] عن أم سلمة رضي الله عنها أن قراءته صلى الله عليه وسلم كانت آية آية: بسم الله الرحمن الرحيم [ ثم يقف ثم يقول:] الحمد لله رب العالمين [ثم يقف ثم يقول:] الرحمن الرحيم [ثم يقف ثم يقول:] مالك يوم الدين، وهكذا إلى آخر السورة وكذلك كانت قراءته كلها يقف على رؤوس الآي ولا يصلها بما بعدها.

قال أبو عمرو الداني الأندلسي في "المكتفى" (5/2): "وكان جماعة من الأئمة السلفين والقراء الماصين يستحبون القطع على الآيات وإن تعلق بعضهن ببعض". وقال الألباني معلقا على هذا الكلام: "قلت: وهذه سنة أعرض عنها جمهور القراء في هذه الأزمان فضلا عن غيرهم."[25]

والمحذور الثاني: تفويت الخشوع على أنفسهم وعلى المأمومين: المقصود من تلاوة القرآن تدبره والعمل به، قال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص29]، وقال: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد/24]، وليس القصد من تلاوته هذَّه كهذِّ الشعر، بدون تدبر ولا خشوع ولا ترقيق للقلب ووقوف عند المعاني، ليصبح همُّ الواحدِ الوصول إلى آخر السورة أو آخر الجزء أو آخر المصحف، جاء رجل لابن مسعود رضي الله عنه فقال له: إني أقرأ المفصل في ركعة واحدة،  فقال ابن مسعود: " أهذّاً كهذِّ الشعر؟! إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فَرَسَخ فيه نفَع"[26]

        ......( يتبع)

 

([1]) مسلم (1163)

[2] أخرجه الحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان عن سهل بن سعد البيهقي في شعب الإيمان عن جابر" وقال الألبانى رحمه الله:حسن لشواهده.(السلسلة الصحيحة 1903)

[3] القول المبين في أخطاء المصلين: ص:6

[4] المدخل (ج 2 / ص 457)

[5] هذه الأدلّة استفدتها من كتاب "الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع." للدكتور (محمد بن عبد الرحمن الخميس) بشيء من التصرّف.

[6] الاعتصام ( 1 / 219 ) .

[7] الاعتصام ( 4 / 318 ) .

[8] الفتاوى الكبرى ( 2 / 467 ) .

[9] ابن وضاح (199 - 286 هـ = 815 - 899 م) محمد بن وضاح بن بزيع، أبو عبد الله،: محدث، من أهل قرطبة. رحل إلى المشرق، وأخذ عن كثير من العلماء، وعاد إلى الأندلس فحدث مدة طويلة، وانتشر بها عنه علم جم (كما يقول الضبي) وصنّف كتبا، منها: (مكنون السر ومستخرج العلم) في فقه المالكية، (العباد والعوابد) في الزهد والرقائق، (القطعان) في الحديث، (البدع والنهى عنها - ط) ... [الأعلام للزركلي ج 7 / ص 133].

[10] البدع لابن وضاح ( 54 ) ، وابن أبي شيبة في المصنف ( 8 / 558 ) .

[11] الدارمي ( 1 / 68 - 69 ) بإسناد جيد ، وابن وضاح في البدع ( ص 8 - 10 ، 11 ، 12 ، 13 ) من عدة طرق عن ابن مسعود . وابن الجوزي في تلبيس إبليس ( ص 16 - 17 ) ، وأورده السيوطي في الأمر بالاتباع ( ص 83 - 84 ) قال محقق كتاب ( الأمر بالاتباع ) للسيوطي : (( والأثر صحيح بمجموع طرقه ))

[12] العمالقة : الجبابرة الذين كانوا بالشام من بقية قوم عاد . ويقال لمن خدع الناس ويخلبهم : عملاق ، والعملقة : التعمق في الكلام . فشبَّه القصاص بهم لما في بعضهم من الكبر والاستطالة على الناس . أو بالذين يخدعونهم بكلامهم . وهو أشبه . قاله ابن الأثير في النهاية ( 3 / 301 ) .

 

[13] ) ابن وضاح في البدع والنهي عنها ( ص 32 رقم 32 ) ، وابن أبي شيبة في المصنف ( 8 / 559 ).

 

[14] أخرجه : البخاري ( 2697 ) ، ومسلم ( 1718 ) عن عائشة .

[15] ( تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن ) ( 6 / 609 )

[16] أخرجه أبو داود ( 1332 ) وصححه الألباني في صحيح أبي داود ( 1183) وفي صحيح الجامع الصغير( 2639 ) ونسبه لأحمد والحاكم والبيهقي وابن خزيمة .

[17] إصلاح المساجد للقاسمي ( ص 111 ) .

[18] البداية والنهاية ( 10 / 282 ) .

[19] دراسات في الأهواء ( ص 282 ) .

[20] المسمع هو ممن يلي الإمام ويسمع للناس تكبيراته

[21] المدخل - (ج 2 / ص 457)

[22] نقلا عن "القول المبين "ص:91

[23] زاد المعاد - (ج 1 / ص 194)

 

[24] إصلاح المساجد.ص:96

[25] صفة الصلاة ص:68

[26] - أصله في صحيح البخارى 5043

 

إتصل بنا المرأة المسلمةصوتياتخطب منبريةنافذة على الواقع  وهران وضواحيهاالتعريف بالموقعالصفحة الرئيسة 


يسمح من الاستفادة من محتوى الموقع لأغراض علمية ودعوية ، على أن تكون الإشارة عند الاقتباس إلى الموقع
www.Minbarwahran.net