|
|
|||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||
|
|
|
||||||||||||||
مختارات من الكتاب [بشيء من التصرف]: - موقف أئمة السنة الذين عاشوا قبل القرن 7 ﻫ من الأشاعرة - انقطاع الصلة بين الأشعرية والأئمة الأربعة في كثير من الأصول
مختارات من الكتاب [بشيء من التصرف] موقف أئمة السنة الذين عاشوا قبل القرن 7 ﻫ من الأشاعرة: يظنّ من لم يطّلع على أقوال أئمة السنة أن ابن تيمية أوّل من ردّ على الأشاعرة ما خالفوا فيه عقيدة السلف، وإليك بعض النقول عمن عاش قبله: أولا: قال ابن خويز منداد المالكي (ت390 ﻫ) في كتاب الشهادات له في تفسير قول مالك: "لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء" قال: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعريا كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبدا، ويهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها. [جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر - (2 /96) ط دار الكتب العلمية.] ثانيا: لابن حزم الظاهري (ت401ﻫ) أقوال كثيرة وشديدة في حق الأشاعرة في كتابه "لفصل في الملل والأهواء والنحل"، وقد أفردها في رسالة مستقلة عبد الرحمن دمشقية وهي بعنوان "موقف ابن حزم من المذهب الأشعري"، وهذه بعض النقول عنه: - قال وأما الأشعرية فإنهم أتوا بما يملأ الفم وتقشعرّ منها جلود أهل الإسلام وتصدأ منها المسامع ويقطع ما بين قائلها وما بين الله عز وجل وهي أنهم قالوا: لا يلزم طلب الأدلة إلا بعد البلوغ ولم يقنعوا بهذه الجملة حتى كفونا المؤنة وصرحوا بما كنا نريد أن نلزمهم فقالوا غير مساترين: لا يصح إسلام أحد حتى يكون بعد بلوغه شاكا غير مصدق. [قال] ما سمعنا قط في الكفر والانسلاخ من الإسلام بأشنع من قول هؤلاء القوم: [أنه لا يكون أحد مسلما حتى يشك في الله عز وجل وفي صحة النبوة وفي هل رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق أم كاذب]...[الفصل في الملل والأهواء والنحل - (1 / 420)] - وقال أيضا: الرد على من زعم أن الأنبياء عليهم السلام ليسوا أنبياء اليوم ولا الرسل اليوم رسلا: [قال]: حديث فرقة مبتدعة تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم ليس هو الآن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا قول ذهب إليه الأشعرية. وأخبرني سليمان بن خلف الباجي وهو من مقدميهم اليوم أن محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني على هذه المسألة قتله بالسم محمود بن سبكتكين صاحب ما دون وراء النهر من خراسان رحمه الله. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذه مقالة خبيثة مخالفة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولما أجمع عليه جميع أهل الإسلام إلى يوم القيامة وإنما حملهم على هذا قولهم الفاسد: أن الروح عرض والعرض يفنى أبدا ويحدث ولا يبقى وقتين فروح النبي صلى الله عليه وسلم عندهم قد فنيت وبطلت ولا روح الآن عند الله تعالى وأما جسده ففي قبره موات فبطلت نبوته بذلك ورسالته. ونعوذ بالله من هذا القول فإنه كفر صراح لا ترداد فيه ويكفي من بطلان هذا القول الفاحش الفظيع أنه مخالف لما أمر الله عز وجل به ورسوله صلى الله عليه وسلم واتفق عليه جميع أهل الإسلام من كل فرقة ومن كل نحلة من الأذان في الصوامع كل يوم خمس مرات... أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله ... فالأذان كذب على قولهم وهذا كفر مجرد... قال: ...وإنما حملهم على هذا قولهم الفاسد أن الروح عرض والعرض يفنى أبدا ويحدث ولا يبقى وقتين." [الفصل في الملل - (1 / 75)] - ومن قوله: اختلف الناس في ماهية الإيمان فذهب قوم إلى أن الإيمان إنما هو معرفة الله تعالى بالقلب فقط وإن أظهر اليهودية والنصرانية وسائر أنواع الكفر بلسانه وعبادته فإذا عرف الله تعالى بقلبه فهو مسلم من أهل الجنة وهذا قول أبي محرز الجهم بن صفوان وأبي الحسن الأشعري البصري وأصحابهما..... فأما الجهمية فبخراسان وأما الأشعرية فكانوا ببغداد والبصرة ثم قامت له سوق بصقلية والقيروان وبالأندلس ثم رقّ أمرهم والحمد لله رب العالمين. [الفصل في الملل - (3 / 105) و(4 / 155)] - قال: وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم﴾ [البقرة : 143] ولم يزل أهل الإسلام قبل الجهمية والأشعرية والكرامية وسائر المرجئة مجمعين على أنه تعالى إنما عني بذلك صلاتهم إلى بيت المقدس قبل أن ينسخ بالصلاة إلى الكعبة. [الفصل في الملل - (3 / 109)] - وقال في بدعة خلق القرآن: ولقد أخبرني علي بن حمزة المراوي الصقلي الصوفي أنه [رأى] بعض الأشعرية يبطح المصحف برجله قال: فأكبرت ذلك وقلت له: ويحك هكذا تصنع بالمصحف وفيه كلام الله تعالى؟! فقال لي: ويلك وبالله ما فيه إلا السخام والسواد وأما كلام الله بلا. ونحو هذا من القول الذي هذا معناه. وكتب إلى أبو المرحى بن رزوار المصري أن بعض ثقاة أهل مصر أخبره من طلاب السنن أن رجلا من الأشعرية قال له مشافهة: على من يقول (أن الله قال: قل هو الله أحد الله الصمد) ألفُ لعنة!! قال أبو محمد [ابن حزم]: بل ... على من ينكر أننا نسمع كلام الله ونقرأ كلام الله ونحفظ كلام الله ونكتب كلام الله ألف ألف لعنة تترى من الله تعالى، فإن قول هذه الفرقة في هذه المسألة نهاية الكفر بالله عز وجل ومخالفة للقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم ومخالفة جميع أهل الإسلام قبل حدوث هذه الطائفة الملعونة. [الفصل في الملل - (4 / 160)] - وقال أيضا: ومن حماقات الأشعرية قولهم أن للناس أحوالا ومعاني لا معدومة ولا موجودة ولا معلومة ولا مجهولة ولا مخلوقة ولا غير ومخلوقة ولا أزلية ولا محدثة ولا حق ولا باطل وهي علم العالم بأن له علما ووجود الواجد لوجوده كلما يجد. هذا أمر سمعناه منهم نصا ورأيناه في كتبهم، فهل في الرعونة أكثر من هذا؟ وهل يمكن الموسوس والمبرسم أن يأتي بأكثر من هذا؟ ولقد حاورني سليمان بن خلف الباجي كبيرهم هذه المسألة في مجلس حافل فقلت له: هذا كما تقول العامة عندنا "عنب لا من كرم ولا من دالية". [الفصل في الملل - (4 / 157)] ثالثا: قال صاحب ذم الكلام: سمعت أحمد بن نصر الماليني (ت412ﻫ) يقول: دخلتُ جامع عمرو بن العاص بمصر في نفر من أصحابي فلما جلسنا جاء شيخ فقال: أنتم أهل خراسان أهل سنة، وهذا موضع الأشعرية فقوموا. [ذم الكلام للهروي، الجزء المخطوط ق239، 240] رابعا: - قول السلطان محمود بن سبكتكين (ت 421ﻫ) لابن فورك لما قال له ابن فورك: لا يجوز أن يوصف الله بالفوقية لأن لازم ذلك وصفه بالتحتية، فمن جاز أن يكون له فوق، جاز أن يكون له تحت. فقال السلطان: ما أنا وصفته حتى يلزمني، بل هو وصف نفسه. فبهت ابن فورك، فلما خرج من عنده مات. فيقال: انشقت مرارته. [سير أعلام النبلاء - (17 / 487)] خامسا: قول الإمام أبي نصر عبد الله السجزي (ت 444ﻫ)[1]: اعلموا ـ أرشدنا الله وإياكم ـ أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب والقلانسي والصالحي والأشعري وأقرانهم الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة وهم معهم بل أخس حالاً منهم في الباطن في أن الكلام لا يكون إلا حرفاً وصوتاً ذا تأليف واتساق وإن اختلفت به اللغات... والمعتزلة مع سوء مذهبهم أقل ضرراً على عوام أهل السنة من هؤلاء، لأن المعتزلة قد أظهرت مذهبها ولم تستقف ولم تموه... [رسالة الإمام السجزي في الرد على من أنكر الحرف والصوت ص145، 173، 178] سادسا: قول شيخ الإسلام الهروي (ت 481ﻫ)[2]: بأن ذبائح الأشعرية لا تحل. طبقات السبكي (4/272) سابعا: قول عبد القادر الجيلاني (ت 561ﻫ) [3]: "ينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل, وأنه استواء الذات على العرش, لا على معنى العلو (أي: علو المنزلة) والرفعة كما قالت الأشعرية, ولا على معنى الاستيلاء كما قالت المعتزلة, وأنه تعالى ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء لا بمعنى نزول الرحمة وثوابه على ما ادعت المعتزلة والأشعرية." الغنية لطالب الحق ص: 56,57,60. ثامنا: قول ابن الجوزي (ت597ﻫ): "لم يختلف الناس في غير ذلك إلى أن نشأ علي بن إسماعيل الأشعري فقال مرة بقول المعتزلة ثم عن له فإدعى أن الكلام صفة قائمه بالنفس فأوجبت دعواه هذه أن ما عندنا مخلوق... مع أنهم يصفون ابن الجوزي بأنه من منزهة الحنابلة. صيد الخاطر ص: 181, 183, وانظر المنتظم (6/323). كذلك انتقد ابن الجوزي أبا حامد الغزالي كثيرا والقشيري صاحب الرسالة القشيرية والفتنة البغدادية -وكلاهما أشعريان- فقال: " فالتصوف مذهب معروف يزيد على الزهد، ويدل على الفرق بينهما أن الزهد لم يذمه أحد وقد ذمُّوا التصوف على ما سيأتي ذكره وصنف لهم عبد الكريم بن هوزان القشيري كتاب الرسالة فذكر فيها العجائب من الكلام في الفناء والبقاء والقبض والبسط والوقت والحال والوجد والوجود والجمع والتفرقة والصحو والسكر والذوق والشرب والمحو والإثبات والتجلي والمحاضرة والمكاشفة واللوائح والطوالع واللوامع والتكوين والتمكين والشريعة والحقيقة إلى غير ذلك من التخليط الذي ليس بشيء". [تلبيس إبليس 156] واعتبر ابن الجوزي أن أساس البدع دخلت على الأمة من طريقين [صيد الخاطر 224]: أ- أصل الدخل في العلم والاعتقاد فمن الفلسفة: وهو أن خلقا من العلماء في ديننا لم يقنعوا بما قنع به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الانعكاف على الكتاب والسنة فأوغلوا في النظر في مذاهب أهل الفلسفة وخاضوا في الكلام الذي حملهم على مذاهب رديئة أفسدوا بها العقائد. وذكر في [ص 183] أنه بعد الإمام أحمد "لم يختلف الناس في غير ذلك [أي من مسائل الاعتقاد في كتاب الله] إلى أن نشأ علي بن إسماعيل الأشعري [رحمه الله] فقال مرة بقول المعتزلة ثم عنّ له فادعى أن الكلام صفة قائمة بالنفس، فأوجبت دعواه هذه أن ما عندنا [أي القرآن] مخلوق، وزادت فخبَّطت العقائدَ، فما زال أهل البدع يجوبون في تيَّارها إلى اليوم." ب- وأما أصل الدخل في باب العمل فمن الرهبانية: فإن خلقا من المتزهدين أخذوا عن الرهبان طريق التقشف، ولم ينظروا في سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسمعوا ذم الدنيا وما فهموا المقصود فاجتمع لهم الإعراض عن علم شرعنا مع سوء الفهم للمقصود فحدثت منهم بدع قبيحة...[يعني بهم الصوفية] اﻫ هذه نبذة من أقوال أئمة السنة في حق الأشعرية، وكان من نتيجة تحذيرهم أن الناس قاطعوا كلّ من يتمذهب بمذهب الكلام الأشعري، فقد انقطع الناس عن أبي عصرون من علماء الأشعرية، فقال لهم: لماذا انقطعتم عني؟ قالوا: إن أناسا يقوللون: إنك أشعري، فقال: والله ما أنا بأشعري. [طبقات الشافعية 7/ 134] انقطاع الصلة بين الأشعرية والأئمة الأربعة في كثير من الأصول: فارقت الأشعرية أئمة السلف في كثير من الأصول منها: 1- الأشعرية لم يسلكوا في العقيدة مسلك الوحي الإلهي، ولم ينهجوا نهجهم لأنهم يتأولون النصوص بخلاف ظاهرها، ويزعمون أن دلالة الكتاب والسنة تتقاصر عن إفادة القطع واليقين بل هي بأسرها ظنية[4]، لذا قدموا العقل على النقل، وأوّلوا نصوص الكتاب والسنة على خلاف ظاهرها، والقول بالتأويل يعتبر محاولة لتكييف الصفة على نحو على غير ظاهر، بينما كان منهج القرآن والسنة هو إثبات وجود الصفة كما وردت لا إثبات كيفيتها لأن الكيف هو الـتأويل الذي لا يعلمه إلا الله، فترك الوحي واتباع الرأي والتأويلات الفاسدة عزل الكتاب والسنة عن كونهما مصدرين للهداية في واقع الحياة وليس بعد الهداية إلا الغواية قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾[يونس: 32] أما الأئمة الأربعة فلم يعرف عنهم ولا عن أصحابهم[5] الأوائل تأويل الصفات بل صرح الإمام أبو حنيفة أن تأويل الصفات إبطال لها وهو مذهب المعتزلة فقد قال: (وله يد ووجه ونفس , كما ذكره الله تعالى في القرآن , فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس وفهو له صفات بلا كيف ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته , لأن فيه إبطال الصفة وهو قول أهل القدر والاعتزال)[6] 2- الأشعرية لم يفهموا من نصوص الصفات الشرعية إلا ما يليق بالمخلوقين، قال الرازي: "إن الأخبار المذكورة في باب التشبيه بلغت مبلغا كبيرا في العدد وبلغت مبلغا عظيما في تقوية التشبيه، وإثبات أن إله العالم يجري مجرى إنسان كبير الجثة عظيم الأعضاء، وخرجت عن أن تكون قابلة للتأويل." وهذه هي طريقة الجهمية قال الإمام أحمد: ( وزعم – جهم بن صفوان – أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدّث عن رسوله كان كافراً وكان من المشبهة)[7]. وهذا خلاف ما فطر الله عليه العباد من أنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أن ذاته لا تشبه سائر الذوات فكذلك صفته لا تشبه سائر الصفات. 3- إن اتهام الأشعرية لمن يثبت الأسماء والصفات بالتشبيه والتجسيم هو اتهام باطل شنيع، ويلزم منه القول بأن الله أنزل لعباده نصوصا في القرآن يحرم الأخذ بظاهرها، وذلك لأننا لا نجد في القرآن والسنة ما يحرّم الأخذ بالظاهر أو يوجب التأويل الكلامي، فلذا أثبت أئمة السنة الصفات بلا كيف وهذا ما قرره الشافعي حيث قال: (القول في السُّنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما الإقرار بشادة أن لا إله إلا الله , وأن محمداً رسول الله وأن الله تعالى على عرشه في سمائه يَقرُب من خلقه كيف شاء وأن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء)[8]. وهذه اللوازم التي يدّعونها لا تلزم أئمة السنة وإنما تلزم من أخبرنا بهذه الأسماء والصفات وهو الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهل يجرؤون على رمي الله ورسوله بما يرموننا به؟ سبحانك هذا بهتان عظيم! 4- الأئمة الأربعة أثبتوا علوّ الله على خلقه وفوقيته على عباده قال الإمام أبو حنيفة: (من قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر, وكذا من قال إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض)[9] وقال الإمام مالك: الله في السماء وعلمه في كل مكان[10] وقال الإمام أحمد: (نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حدّ ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد , فصفات الله منه وله وهو كما وصف نفسه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾)[11] بل صرّح الإمام أبو حنيفة بتكفير من أنكر علوّ الله أو شك فيه. ونفت الأشعرية صفة علو الله على خلقه وفوقيته على عباده وحرّفوا نصوص صفة العلو إلى علو العظمة والعزة، وعلو القهر والغلبة أو علو الشأن[12]. 5- صرّح الأئمة الأربعة أن القرآن غير مخلوق: قال الإمام أبو حنيفة: "القرآن غير مخلوق"[13] وقال كذلك: ونقرّ بأن القرآن كلام غير مخلوق[14]. وقال الإمام مالك: من قال بأن القرآن مخلوق يوجع ضربا ويحبس حتى يتوب.[15] ودخل على الإمام مالك رجل فقال يا أبا عبد الله , ما تقول فيمن يقول القرآن مخلوق ؟ فقال مالك: زنديق فاقتلوه , فقال: يا أبا عبد الله إنما أحكي كلاماً سمعته , فقال: لم أسمعه من أحد إنما سمعته منك, وعظّم هذا القول)[16] وقال الشافعي: (من قال القرآن مخلوق فهو كافر)[17] وقال الأمام أحمد بن حنبل: (... والقرآن كلام الله وليس بمخلوق ولا تضعف أن تقول "ليس بمخلوق" فإن كلام الله منه وليس منه شيء مخلوق)[18] وعن عبد الله بن أحمد قال: (سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلّم الله موسى لم يتكلم بصوت فقال أبي: تكلم الله بصوت، وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت)[19] وأما الأشعرية فقد زعموا أن الله يتكلّم بكلام نفسي غير مخلوق[20] أما الكلام اللفظي ومنه القرآن فهو مخلوق وصرّحوا بأنهم ليس بينهم وبين المعتزلة خلاف، وبهذا يكونوا قد ارتكبوا بدعتين: أ- القول بخلق القرآن. ب- القول بالكلام النفسي. 6- سلك الأشاعرة لإثبات وجود الله مسلكا عقليا تابعوا فيه المعتزلة، وخلاصته: أنه لا يعرف إثبات الصانع حتى يعرف حدوث العالم، ولا يعلم بحدوث العالم إلا بما به يعلم حدوث الأجسام، والدليل على حدوث الأجسام أنها لا تخلو من الحوادث، أو أنها مستلزمة للأعراض، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث، وكل حادث لا بد له من محدث، والمحدثات لا بد أن تنتهي إلى محدث واجب الوجود.[21] أما مسلك الأئمة الأربعة في وجود الرب سبحانه فهو مسلك السلف الصالح المستنبط من الكتاب والسنة، فبالتالي كل طريقة ليس مصدرها الكتاب والسنة فهي طريقة مبتدعة عندهم، لذلك شنّع الإمام أبو حنيفة على عمرو بن عبيد رأس المعتزلة لأنه فتح الكلام في هذا حيث قال: لعن الله عمرو بن عبيد فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا يعنيهم من الكلام.[22] وكان ينصح من سأله بعدم سلوك هذه الطريقة فقد سئل رحمه الله: ما تقول فيما أحدثه الناس في الكلام في الأعراض والأجسام , فقال: ( مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريق السلف وإياك وكل محدثة فإنها بدعة )[23] وهذا ما كان عليه السلف فإنهم أنكروا الكلام في الجوهر والعرض قال التيمي: "أنكر السلف الكلام في الجوهر والأعراض وقالوا: لم يكن على عهد الصحابة والتابعين ولا يخلو أن يكونوا سكتوا عن ذلك وهم غير عالمين به، فيسعنا السكوت عما سكتوا عنه، أو يكونوا سكتوا عن ذلك وهم غير عالمين به فيسعنا أن لا نعلم ما لم يعلموه، والحديث الذي ذكرناه[24] يقتضي أن ما تكلم فيه الآخرون من ذلك ولم يتكلم فيه الأولون يكون مردودا..."[25] 7- أوّل واجب على المكلف عند أئمة السنة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله: قال الإمام مـالك: ( محال أن يظن النبي صلى الله عليه وسلم , انه علم أمته الاستنجاء ولم يعلمهم التوحيد , والتوحيد ما قاله النبي صله الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إلـه إلا الله»[26] فما عصـم به المال والدم حقيقة التوحيد )[27] أما الأشاعرة فيرى كثير منهم أن أوّل واجب على المكلف هو النظر أو القصد إلى النظر[28]، لأنه الوسيلة لحصول المعرفة بالله وهم مقلدون في هذا للمعتزلة. هذه بعض الأصول التي تكفي في بيان مفارقة الأشعرية لأئمة أهل السنة والجماعة، لذا تجدهم يلقبون أنفسهم الشافعي والمالكي في الفروع، والأشعريَ في الاعتقاد ومن جنسه قول أحمد المقري المغربي في نظم له: يقول أحمد الفقير المقري *** المغربي المالكي الأشعري[29] [1] - السجزي: محدث، فقيه، طاف البلاد وسمع بخراسان والعراق والحجاز ومصر وجاور بمكة إلى أن توفي بها في المحرم. معجم المؤلفين - (6 / 239) [2] - الهروي: كان بارعا في اللغة، حافظا للحديث، عارفا بالتاريخ والأنساب. مظهرا للسنة داعيا إليها. امتحن وأوذي وسُمع يقول: "عرضت على السيف خمس مرات، لا يقال لي ارجع عن مذهبك، لكن يقال لي: اسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت!" الأعلام للزركلي - (4 / 122) [3] - من كبار الزهاد والمتصوفين ومؤسس الطريقة القادرية. الأعلام للزركلي - (4 / 47) [4] - غاية المرام في علم الكلام ص174. ومحصل أفكار المتقدمين والمتأخرين للرازي ص71. [5] - الشريعة ص314 التمهيد ص 149. [6] - الفقه الأكبر ص302 [7] - الرد على الجهمية ص104 [8] - اجتماع الجيوش الإسلامية ص165 , إثبات العلو ص124 , وانظر مجموع الفتاوى 4/181-183 , والعلو للذهبي ص120 , ومختصره للألباني ص176 [9] - الفقه الأبسط ص46 , ونقل نحو هذا اللفظ شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى 5/48 , وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص139 , والذهبي في العلو ص101-102 , وابن قدامة في العلو ص116 , وابن أبي العز في شرح الطحاوية ص301 [10] - التمهيد 7/138. [11] - درء تعارض العقل والنقل 2/30 [12] - انظر كتاب الأسماء والصفات بتعليق الكوثري ص 406، وتبديد الكلام للكوثري ص 35، 78. [13] - الفقه الأكبر مع شرح القاري ص301. [14] - شرح وصية الإمام أبي حنيفة ص 10. [15] - التمهيد 7/138. [16] - الحلية 6/325 واخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/249 , من طريق أبي محمد يحيى بن خلف عن مالك , وأورده القاضي عياض في ترتيب المدارك 2/44 [17] - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/252 [18] - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/157 [19] - طبقات الحنابلة 1/185 [20] - التأنيب ص 96، 97. [21] - محصل أفكار المتقدمين ص106، والإرشاد ص3 والمواقف ص32. [22] - ذم الكلام للهروي ق 196/ ب. [23] - ذم الكلام للهروي ( 194/ ب) [24] - يشير إلى حديث عائشة - رضى الله عنها - قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ أَحْدَثَ فِى أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ » البخارى ومسلم. [25] - الحجة في بيان المحجة ص17، 18. [26] - أخرجه البخاري كتاب الزكاة باب وجوب الزكاة (3/263) ح (1399), ومسلم كتاب الإيمان باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله محمد رسول الله (1/51) ح (324) عن أبي هريرة. [27] - ذم الكلام ( ق-210 ) [28] - انظر الإرشاد للجويني ص3 ومحصل أفكار المتقدمين والمتأخرين للرازي ص61، 62، المواقف للإيجي ص 62، وغاية المرا ص 53. [29] - إضاءة الدجنة ص3.
|
|||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||
|
يسمح من الاستفادة من محتوى
الموقع لأغراض علمية ودعوية ،
على أن تكون الإشارة عند الاقتباس
إلى الموقع
|
|||||||||||||||