إتصل بناالأسرة المسلمةصوتياتخطب منبريةنافذة على الواقعوهران و ضواحيهاالتعريف بالموقعالصفحة الرئيسة 

 

     القرآن و علومه  
الحديث و علومه
العقيدة        
المنهاج       
الفقه و أصوله    
تزكية النفوس    
التاريخ والسير  
  اللغة و الأدب  
 أفكار هدامة   
متفرقات     

 

من أعجب ما قرأت في التفاني في الطلب

  كتبه أبو  إبراهيم


بسم الله الرحمٰن الرحيم

الحلقة الأولى: يطلب العلم في عمر الثمانين بهمّة العشرين

الحلقة الثانية:  إن هي إلا علة "عدم الصبر".

الحلقة الثالثة: لم يجد قلماً فأخذ فحماً

الحلقة الرابعة: كتبٌ بأعمار بني آدم

 

*****

إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل ومن يضلل فلا هادي  له وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله, أما بعد:

الحلقة الأولى

يطلب العلم في عمر الثمانين بهمّة العشرين :

جاء في ذيل طبقات الحنابلة للحافظ ابن رجب في ترجمة الإمام أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي البغدادي المقرئ الفقيه الأصولي الواعظ المتكلّم ذي العلوم والفنون  أحد الأئمّة الأعلام في الإسلام ومن أفاضل العالم وأحد أذكياء بني آدم ( 431/513) رحمه الله: " ... أنّه كان يقول: إنّي لا يحلّ لي أن أضيع ساعة من عمري، حتّى إذا تعطّل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي، وأنا منطرح، فلا أنهض إلاّ وقد خطر لي ما أسطِّره، وإنّي لأجد من حرصي على العلم وأنا في عَشر الثّمانين أشدّ ممّا كنت أجده وأنا ابن عشرين  سنة.

و أنا أقصّر بغاية جهدي أوقات أكلي، حتّى أختار سفَّ الكعك وتحسِّيه بالماء على الخبز، لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توفُّراً على مطالعة، أو تسطير فائدة لم أدركها فيه ... " انظر (صفحات من صبر العلماء )  لـ :عبد الفتاح أبو غدّة .

قلت : أمّا هذه فهِمَّةٌ تتلاشى دونها الهمم، ويكفيك من العجب الذي فيها، أن يطيش عقلك حيرةً، إذ تجد نفسك تقول ـ وأنت لا تستطيع أن تنبس ببنت شفة ـ في أقصى ما ضمّه صدرك من عمق، أيصدّق مثل هذا !؟ فتجيبك همّة القوم في شموخ ـ وهي لم تزل تكفي أهلها الإجابة ـ : أن نعم، وما تعجّب من تعجّب إلاّ لأنّه استصعب، وأنّى يفوز بالظَّفَر من رضي لنفسه العيشَ بين الحفر .

ما تطعَّمتُ لـذّةَ العيش حتّى   صرتُ للبيت والكتاب جليسا

ليس شيء أعـزّ من العلـم    فـما أبتـغي سـواه أنيسـا

إنّما الذّلّ في مـخالطة النّـا    س فدعهم وعش عزيزاً رئيسا

ثمّ من لم يصدِّق ذلك ـ تقولُ الهمّةُ ـ كيف سيكون حاله مع الخبر التَّالي :

يطلب علماً برأسه في يوم واحد !!! :

جاء في ترجمة الإمام أبي بكر بن الأنباري النحوي، " أنّ جاريةً له سألته عن تفسير رؤيا، فقال لها : أنا حاقن، ثمّ مضى فلمّا كان الغد عاد وقد صار معبِّراً للرّؤيا، وذاك أنّه مضى من يومه، فدرس كتاب الكرمانيّ ـ في تعبير الرّؤيا ـ وجاء... " .

انظر ترجمته في : تاريخ بغداد ( 3/181)، وإنباه الرّواة على أنباء النّحاة للقفطي ( 3/202)، ووفيات الأعيان لابن خلِّكان ( 1/503)، عن طريق ( صور من صبر العلماء) لـ : صلاح الدين محمود السعيد .

أقول : الخبر لا يحتاج إلى تعليق ألبتّة، ثمّ أيُّ صبرٍ هذا الذي يعيش به القوم، بل الصّبرُ لو مُكِّن لنطق، ولو كان عبداً لأبَق .

صَابَر الصّبرَ فاستغاث به الصّبرُ    فقال الصّبور يا صبرُ صبرَا

و كأنّي بلسانك أخيَّ قد انعقد ـ وحُقَّ لك ذلك ـ وأنت ترى نفسك أحياناً تعجز عن حلقةِ علمٍ تحضرها، أو صفحةٍ من كتابٍ تقرؤها، والقوم قد حصّلوا علماً برأسه في مقدارٍ من الزّمن تُمضيه أنت بين نومة صباحٍ وأُكلة ليلٍ، ولكن اسمع معي إلى همّة القوم تقصّ عليك خبرها :

دببت للمجد والسّاعون قد بلغوا    جُهدَ النّفوس وألقَوا دونه الأُزُرَا

و كـابدوا المجدَ حتّى ملَّ أكثرُهم     وعانقَ المجدَ من أوفى ومن صبرا

ثمّ تنصحك وتقول :

لا تحسب المجد تمراً أنت آكله    لن تبلغ المجدَ حتّى تلعق الصَّبِرا

قلت : هذه حصّة هذه الحصّة، ولأنّ في أخبار القوم من العجب والبهاء ولذّة النفس ما فيها على حذو من قال :

أحاديث لو صيغت لألهت بحسنها      عن الوشي أو شُمَّت لأغنت عن المسك

ندعوك أخي الزائرَ إلى زيارة أخرى، مع قطوف أثرى، والله الموفِّق .

 

*****

 

الحلقة الثانية

إن هي إلا علة: عدم الصبر.

تفكّرت يوماً ـ و قد علتني كآبة أورثت ضيقا في النفْس يكاد ينحبس منه النفَس ـ ما السر في النكسة التي أضحت تراود الطالب عن علمه حيناً بعد حين، ثم لا تلبث أن تقعده مكانه، فتذره مع الخالفين؟

ثم تفكرت أخرى و قد هالني خطاب من المولى سبحانه يقرع به أسماع أقوام ضاعت عليهم أزمان مديدة لم تعرض لهم ـ إذ لم يكونوا محلاّ ـ فكرة يتذكرون بها ما ينفعهم في يوم بلغ من طوله أنّه لا نهاية له.

و ذلكم قوله سبحانه :﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾[فاطر :37].[1]

إنّ أخبار الذين مضى زمنهم و غَبَر،كمثل من عناهم المولى في الآية، فيه من العظات و العِبَر، ما يدعونا إلى أن " نعوذ بالله أن نُعَيَّّر بطول العمر" [2] و لكن ما ينفع استجداء العياذ إذا لم يقدم المرء من العمل ما يكون له ركناً وملاذاً ؟، فإن الله يلوم على العجز؟.

إنّ نوائب الدّهر كثيرة، و فواجعه مريرة، لكنّ كلّ نائبة منها تفجؤك، فحريّ أن تجد لها من يواسيك فيها، إلا نائبة الجهل فإنها متى ألمّت؛ صرعت و قصمت، و لم تنكشف إلا عن نقيصة خلِقَة، و متى كان للجهل نور أو بهاء في أرض أو سماء؟.

إن الجهل منجم الباطل و منبع الضلالة و مغرس الفتنة و وكر الشر و مستشار الهوى و مرسى الشبهات و عرصة الغي و عشّ الشيطان … و لو أردتَ أن أزيدَك زدتُك و إنما غرضي من تعريفك حدّه و معناه أن تبغضه و تتعدّاه.

كلنا يدرك أنّ العلم أجلّ موقعاً في النفس من كلّ رغيبة، و أفضل ما يُكتَنـز من كل ذخيرة،و لكن ما الذي يقطع المرءَ عنه أو يحول دونه ؟ أقول: إن هي إلا علَّة عدم الصبر.

بالعلم صار الواحد من الناس يعدل ألفا منهم، و تراهم يخضعون له على ترفهم و لو كانت به رثاثة أو بذاذة و ذلك أنّ :

أولئك أقوام شيّد الله فخرهم … فما فوقه فخر و إن عظم الفخر

 

و أما أعجب ما قرأته بهذا الصدد و كان وقعه على نفسي كالشهاب نفوذا و إحراقا؛قصة القاضي أبي يوسف رحمه الله ، و إليك الخبر:

كان الإمام أبو يوسف رحمه الله شديد الملازمة لشيخه أبي حنيفة رحمه الله، لازم مجلسه بين العشرين و الثلاثين سنة،لم تفته فيها صلاة الغداة معه،و لا فارقه في فطر و لا أضحى، إلا من مرض، روى محمد بن قدامة قال: سمعت شجاع بن مخلد قال: سمعت أبا يوسف يقول: مات ابن لي، فلم أحضر جهازه و لا دفنه، و تركته على جيراني و أقربائي مخافة أن يفوتني من أبي حنيفة شيء لا تذهب حسرته عني "[3].

و يشهد الله أني وقفت عند هذا الخبر طويلا طويلا ، أقرأه ثم أسند خدي على راحة يدي مرارا و قد أخذ مني العجب كلّ مأخذ، و أنا بالكاد أقدر أن أستوعب ما فيه من الهول؟

أي نفس جبارة هذه التي يموت قطعة منها و قد بقي فيها بقية لحضور درس أو مباحثة علم؟؟؟. 

أقول: إنّما يصل إلى هذه المراتب من وطّن نفسه الصبر و أسكنه حبة قلبه و ترك غيره للجوار،حتى صارت اللذات كلها لو جمعت لم تعن له شيئا في مقابل لذة الطلب، و قد قال أحدهم كاشفاً هذا المعنى بأجلى ممّا قلت ، و بأحلى ممّا سبكت :

سهري لتنقيـح العلوم ألـذ لي *** من وصل غانية و طيب عنـاقِ
و صرير أقلامي على صفحـاتها *** أحلـى من الـدوكاء للعشاقِ
وألـذ من نقـر الفتاة لـدفها *** نقري لألقي الرمـل عن أوراقي
وتمايلي طربـا لحـل عـويصة *** في الدرس أشهى من مدامة ساقِ
يا من يحـاول بالأمـاني رتبتـي***كـم بين مستفل وآخـر راقي
أأبيت سهـران الدجى وتبيتـه *** نومـا و تبغي بـعد ذاك لحاقي

أقول : ثمّ تنخلع نفسك من بين أضلاعك حين تسمع أن هذا الإمام نفسه يأبى إلا أن يلقى الله تعالى على ذات السيرة و نفس الوتيرة، و هي طلب العلم حتى في لحظات النزع و معالجة الموت، و هي اللحظات التي يخشاها كلّ أحد لهولها وعسرها،و للرهبة الشديدة من الجهل بما يعقبها، أفترى يبقى للرجل فيها لبٌّ أو صبرٌ ليباحث فيها علماً؟ أفيكون مثل هذا العجاب في دنيا الناس؟

أمّا سيرة أبي يوسف فتقول نعم، ألا فرحمة الله على أبي يوسف ما ذكره من ذكر و غفل عن ذكره من غفل .

روى القاضي إبراهيم بن الجراح الكوفي ـ و كان تلميذا لأبي يوسف ـ قال : " مرض أبو يوسف، فأتيته أعوده، فوجدته مغمى عليه،فلما أفاق قال لي:يا إبراهيم، ما تقول في مسألة؟ قلت: في مثل هذه الحالة؟قال:لابأس بذلك، ندرس لعله ينجو به ناج.

ثم قال: ياإبراهيم؛أيما أفضل في رمي الجمار ـ أي في مناسك الحج ـ أن يرميها راكبا أو ماشيا؟قلت:راكبا. قال: أخطأت،قلت: ماشيا: قال: أخطأت.قلت: قل فيها يرضى الله عنك.

قال: أمّا ما كان يوقف عنده للدعاء، فالأفضل أن يرميه ماشيا، وأمّا ما كان لا يوقف عنده؛فالأفضل أن يرميه راكبا. ثم قمت من عنده، فما بلغت باب داره حتى سمعت الصراخ عليه، و إذا هو قد مات رحمة الله عليه ".

قلت: و العجيب أنّ هذا كان دأباً لكثير من أهل العلم، فلقد روى المعافى بن زكريا عن بعض الثقات أنّه كان بحضرة أبي جعفر الطبري رحمه الله قبل موته،و توفّي بعد ساعة أو أقلّ منها، فذكر له هذا دعاء مأثور عن جعفر بن محمد، فاستدعى محبرة و صحيفة فكتبه، فقيل له: أفي هذه الحال؟ فقال: ينبغي للإنسان أن لا يدع اقتباس العلم حتى الممات"[4] .

و يذكر عن ابن مالك ـ إمام النحو ـ رحمه الله أنّه بلغ من اعتنائه بالعلم حرصه على حفظ عدّة أبيات ـ حدّها بعضهم بثمانية ـ في يوم موته، لقّنه إياها ابنه[5].

قلت: و ما أبهى و أروع ما قال ابن القيم رحمه الله مبيّنا به معنى الغيرة على الوقت في حياة القوم بكلام من أنفس ما قرأتُ ـ يقوله عالمٌ ـ إن لم يكن أنفسَه على الإطلاق.

قال رحمه الله:" الغيرة على وقت فات، و هي غيرة قاتلة، فإنّ الوقت وحِيُّ (سريع) التقضّي، أبيّ الجانبن بطيء الرجوع، و الوقت عند العابد؛ هو وقت العبادة و الأوراد، و عند المريد؛ هو وقت الإقبال على الله و الجمعية عليه،و العكوف عليه بالقلب كلّه، و الوقت أعزّ شيء عليه،يغار عليه أن ينقضي بدون ذلك،فإذا فتاه الوقت لا يمكنه استدراكه البتّةن لأنّ الوقت الثاني قد استحقّ واجبه الخاصّ،فإذا فاته وقت فلا سبيل إلى تدراكه.

و معنى أنّها غيرة قاتلة أي أنّ أثرها يشبه القتل، لأنّ حسرة الفوت قاتلة، و لاسيما إذا علم المتحسر:أنّه لا سبيل له إلى الاستدراك.

و أيضا فالغيرة على التفويت تفويت آخر،كما يقال: الاشتغال بالندم على الوقت الفائت تضييع للوقت الحاضر، و لذلك يقال: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.
 فالوقت منقض بذاته، منصرم بنفسه، فمن غفل عن نفسه تصرّت أوقاته،و عظم فواته،و اشتدّت حسراته،فكيف حاله إذا علم عند تحقّق الفوت مقدار ما أضاع؟،و طلب الرجعى فحيل بينه و بين الاسترجاع،و طلب تناول الفائت،و كيف يردّ الأمس في اليوم الجديد ...

فيا حسرات ما إلى ردّ مثلها ... سبيل،و لو ردّت لهان التحسر... "

و قال أيضا:" فالعارف ابن وقته، فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلّها، فجميع المصالح إنّما تنشأ من الوقت،فمتى أضاع الوقت لم يستدركه أبدا...".   

بعد هذه التطوافة الصغيرة؛ أقف وقفة أعيد بها الذهن إلى موضوع الصبر على الطلب و أقول:

كلّ ما ذكرته لك قبل من قصص القوم، ما كان له أن يكون، لولا عمود الصبر الذي أقاموا عليه خيام هممهم، و العبرة في نفس المرء تكون أمضى؛ حين يسمع خبرا منه لو يسمع قولا، لذلك آثرت ذكر أخبارهم لبيان صبرهم على الطلب و جلدهم فيه، ولقد قرأت كثيرا ممّا طالته يدي من كتبٍ حول حلية الطلب، فتفحّصتها و أمعنت فيها، فلم أجد وصية في كتاب؛أوصى بها شيخ تلميذا أو عارف مريدا؛ إلاّ كان الصبرُ إطارَها، متى ما فارقها سقطت غير منتَفَع بها، فكيف تُراه يذاكر من لا يصبر على المذاكرة، و كيف يحفظ العلم من لا يصبر على الحفظ، و كيف يجرد الكتب من لا يصبر على الجرد،و كيف يكتب العلم من لا يصبر على الكتابة ... ثمّ ألف كيف أخرى تنتظر ( الصبر) وحده ـ لا غير ـ جوابا.

 ثمّ وقفة أخرى خفيفة، لكنها عنيفة ما الغرض من شدتها إلا تنبيه الغافل من سكرته،حتى تعود إليه يقظته، و يعلم أنّ أمّة الإسلام أمّة عظيمة عظم دينها و أخلاقها، و أن رحمها رحم ولود، و لا عليك بعد ذلك ممّا تسمع من أبناء أوروبا و ربائبها ممّن هم في حجورنا؛ من تهوينهم من شأن أمّتنا و ملّتنا...و يكفينا في ردّ باطلهم: واقعٌ لكبراء أمّتنا حكيناه،و شهاداتٌ من عقلائهم ـ في تصديق ذلك ـ لا تزال تَفِدُنا،و الحمد لله.

و أخيرا أخيرا أقول و لا أطيل: على المؤمن أن يتيقّن أنّ الأمة لا ينفعها طويل اللسان قصير الرأي، و لكن ينفعها حَضَنة العلم و عصبة الفهم و الحلم، ممّن هِجِّيراه في يومه و ليلته :" ربِّ زدني علما".

هذه خلاصة لفكرة تحركت بها الخواطر طويلا، و لا زال هاجسها في الضمير يعرض الفينة بعد الأخرى، و كانت مخايلها تظهر و تخفى، إلى أن قضى الله أن تظهر و لا تطوى، فكان ما أراد و لله في خلقه شؤون.

*****

الحلقة الثالثة

لم يجد قلماً فأخذ فحماً

هكذا صنع رجل كان في يوم حبيس زنزانة معتمة، أعيا المغرضين أن يردوه عن حق اعتقده و دعا إليه، و لقد عملوا في سبيل مرادهم هذا من الأسباب ما لم ينفع إلا كما ينفخ الرجل في الهواء ثم لا يجد لنفخه أثرا، و لك أن تتصوّر النار التي كانت تضطرم في صدورهم لقاء ثباته هذا، و هم يروحون عليه و يجيئون، بما يغري تارة و بما يؤذي أخرى،و لكن الرجل كان كالصخرة ثباتا و كالجبل شموخا.

ثمّ إن ساجنيه قد علموا ما يهواه وما لا يقدر على الصبر دونه؛ ألا و هو العلم، و رأوا كيف يستغرق جميع وقته فيه، فبانت لهم إذ ذاك السبيل في شده شيئا ما إلى الخلف، عسى أن يحظوا منه بالتفاتة إلى باطلهم، فكان أن منعوا الناس من لقائه و استفتائه و حجبوهم عنه بل قل حجبوه عنهم إذ هم الأحوج إليه، هذه الأولى، ثمّ عمدوا إلى  الكتب فمنعوا من وصولها إليه، و غرضهم أن ينضب المعين الذي يستقي منه، فلما رأى منهم ذلك انصرف إلى ما بين يديه من الكتب و الورقات يتلقف ما فيها بشغف و هي أحظى إلى قلبه ثم أشغل له من كثير من مضايقاتهم،فلما رأوا منه عدم اكتراثه بهم ألبتة و أن لا يكاد تلين منه بل لم تلن له قناة ألبتة، طارت ريح السموم منهم بكتبه فأخرجوها من عنده و هي أغلى عنده من كل شيء وهم يعلمون ذلك كله،لكنهم لم يكونوا يجدوا منه في كل ذلك إلا صبرا على الأذى و استغلالا مستميتا للوقت في الطلب بكل سبيل متبقية بين يديه، فلما أعياهم صدّه عن مراده و غلب جبروتَهم بإصراره و عناده،أخرجوا من عنده الألواح و الأقلام، زيادة في التشفي و إمعاناً في الانتقام، فعلوا ذلك و هم يظنون أنهم قد محوا عن الرجل آخر سبب من أسباب لذته و سبل سعادته، ففاجأهم بما لم يقع لهم على بال و لا خطر لهم بحال؛إذ عمد إلى فحمة من الزوايا المظلمة لتلك الزنزانة المعتمة و استبدل بها قلما أخذوه ليكتب بها على جدران الزنزانة بنور العلم ما يُذهب به عتمتَها و قد كان ...

لقد أثبت ابن تيمية أن السعادة مركب نفساني محض و هيئة وجدانية بحتة تحصل للمرء من مجموع ما يبني عليه فكره و يربي عليه إرادته ليصنع بذلك كله راحة بال عميقة المنفد وفيرة المعين في أقصى ما يضمه صدره، مضمونها العيش لله وحده بكل معاني الاستسلام له سبحانه، و لولا ذلك كيف كان له بربك ـ و هو الطريد الشريد السجين المعذب ـ أن يعيش مبتسما للحياة واسع الصدر منشرح النفس مستبشرا بالخير إن فرح و إن تألم، ليس يأبه بالذي يحدث له إلا كالذي رأى رؤيا لم تسرّه ثم أفاق في صباحه فنسيها و انصرف إلى شأنه .

لقد استرقّ ابن تيمية ناصيةَ الهمّة و قلّد عنَقها طاعته،فصارت تنقاد إليه من دون حَكَََمة، يسير بها يميناً و شمالاً في أرجاء الحياة و محطاتها،لا يشغله عن سموٌّ يزداد به قرباً

إلى الملكوت الأعلى شيء من سفْساف الحضيض يريد أن يقرر بقوله و فعله بحركته و سكونه أن على المرء أن يكون ذا نفس كريمة علوية تشغله بالنظر إلى السماء عن النظر إلى التراب و من يمشي فوق التراب.

يشهد الله أنه لطالما قرأنا عن أصحاب الهمم و المراتب العالية ما شدَّنا فأعجبنا، لكنَّ ما قرأناه عن ابن تيمية شدّنا فأدهشنا، و أعجبنا فأبهرنا،و دعِ القائل يقول بعد ذلك : كفاكم يا هؤلاء غلوًّا و مدحاً مفرطاً: فإنَّا قائلون له؛صدقتَ لو كان ما حكيناه عنه كذبا أو مجازفة، أما و هو صدق فسمّه بما شئت.

لولا عجائب صنع الله ما ثبتت   تلك الفضائل في لحم و لا عصب

أقول أخيرا: أخذ ابن تيمية فحماً حين لم يجد قلماً و هو يريد أن يقول لك :

ـ إنّ على المرء أن يكون ذا همة سامية، ليس يأنس إلا بالعلم و إليه،شغوفا بطلبه كلفا بجمعه،مناه أن يتعلم في كل يوم حرفا يزداد به عند الله مرتبة، و هو لذلك لا يدع أن يقطعه عنه قاطع أو يمنعه دونه مانع،قد عقد قلبه على ميثاق مادتُه:أنّ يوما لا يطلب فيه علما ليس معدودا من عمره، و لأجل ذلك تراه كالنّهم ليس يشبع؛ هجّيراه في كل حال تجده عليه أو تراه "ربّ زدني علما".

ـ إنّ من باع عرض الدنيا الفانية بما يستقبله من بشائر الآخرة الباقية لا يكدّر حاله ما قد يحصل له من الأذى في سبيل تحصيله العلم و جمعه له،إذ الكيّس من يعلم أنّ همّها مترادف، و أنّ صفاءها آيل لا محالة إلى كدر، فلم يصر من العقل الانشغال بالتأفف و قتل الوقت بالتأسف، و لكن الحزم في استثمار الأنفاس و عمارة الأوقات بما ينفعك و الصبر على ذلك، مع عدم الاكتراث بالصوارف من إذاية أو مشغلة،فإنّ الالتفات إلى ذلك مضيعة للوقت ليس إلاّ.

ـ إنّ المرء إنما يكون رجلا بالمعنى الشرعي إذا صلب قلبُه و اشتدّ حزمُه و لم يكن في عزمه خنوثةٌ، و لذلك ترى هامتَه شامخةً إن عوفيَ و إن أوذي، أمَّا من لا ينهض إلى علياءَ يطلبها إلاّ إذا غُمس في الرَّخاء فما أصعب فِطامَ هذا، دعْ ما وراء ذلك من أن يصير مرابطاً.

ـ إنّ أوقات المرء ظروفُ أعماله، و هو أحوج ما يكون إلى أن يُسرَّ بها يوم تُنشر، و لك أن تلحظ من الآن كم من الحسرات ستتجرعها إذا فتحت ظروف تلو ظروف فلم تجدها إلا خاوية. 

الحلقة الرابعة

كتبٌ بأعمار بني آدم:

الحمد لله رب العالمين و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين بعد:

لقد جعلت موسوعية علماء الإسلام كثيرا من الناس عربا و أعاجم يعجبون و هم يرون علماء يكتبون في أصول الدين و في أصول الفقه والفقه و اللغة و الحديث بل و في الفروسية و الطب و غيرها من العلوم كتابات عالية المقام جداًّ رفيعة الرتبة جداًّ جداًّ فالعالم منهم لم يكن مثقفا يحمل نتفا من العلم أو نبذا من الفكر و لكنه كان عالما بكل ما تحمله كلمة "العالِمية" من معاني الرسوخ و الامتلاء عالي الكعب فيها مملوء القدح منها بالمقام الذي تحسبه إن هو تكلم في فن أو ناقش في علم لا يحسن غيره.

و هكذا هو العلم غرسٌ عميق الجذر يانع الثمر تطيب نفسك حين ترى؛ مما شئت منه أن ترى  ألواناً و أصنافًا من عناقيد الأفكار و جنى الأنظار مما على منه و ما تدلىَّ.

و كان مما جال في ذهني يومًا، الهمةُ التي كان عليها السلف رضي الله عنهم في العلم – جملةً -  تعلُّماً و تعليماً و تأليفاً؛لكنّ شيئا مرّ بي و أنا  أفتش في بطون كتبٍ حول حلية الطلب تكررت مني القراءة لمعناه لكن في أخبار مختلفة المضمون؛ فيها أنّ العالم الفلاني ألف كتابه الفلاني في كذا من السنين وآخر جمع مؤلفا في كذا من الأعوام و إذ أنا على هذه الحال إذ ومضت في ذهني إشعاعة أنارت شيئا مما قد ارتسم في ذهني له عُلقَة بموضوعنا تقادم الدهر به فألقى عليه من غشاوة النسيان ما جعلني أذهل عنه.

ثم رحت أقلب الأوراق أجمع من هاهنا و هاهنا – بعضاً- من تلك الأخبار العِجاب؛ التي تحكي همّةَ أقوامٍ و صبرَهم و إخلاصَهم بما لا تدانيهم في أيٍّ من ذلك أمّةٌ من الأمم.

لقد هالني أنّ السلف رضي الله عنهم كانوا يراعون كتبهم كما يراعون أولادهم،و ترى الواحد منهم يتعاهد كتابه بالتصحيح و التصويب مرة بعد مرة،و هو لا يلبث في كل مرة يستبين مواطن الخلل فيه ليحذفها منه.بل إنّ بعضهم قضى عمره و لم يتمَّ كتابه ثم نظرت من حولي فإذا بي أرى الله تعالى قد أحيانا حتى عشنا لنبصر بعينٍ من حديدٍ ما نبّأناه رسولُ الله صلى الله عليه و سلم من فشوِّ القلم؛و لك أن ترى إلى السَّيل الذي تدفعه المطابع من الكتب و ما ينفق من الأموال لذلك الغرض كم جعل الكلمة هزيلة و الكتب من المعاني نحيلة، و القراءة مملّة، لأنك تجد الكتاب حين تجده و هو عريض الخاصرتين فإن ولجته ولجت داراً مقفرة و قرأت سطوراً هي للمعاني مقبرة،كلماتٌ هكذا مُدَهْوَرة و عباراتٌ متخمة بالثرثرة.

لقد عاش علماء الإسلام مع الكلمة حتى أدخلتهم القبر، و لو قُدِّر لهم أن يَهُبُّوا من قبورهم خلقاً سوياًّ من جديد، لعادوا إلى الكلمة من جديد،غير أن ما كانوا عليه من الدين و الهدى و العقل و الحكمة جعلهم يحرصون على أن تكون كلمتهم - بكلِّ صورها- لله وحده، و هذا الذي جعلهم يتأنون فيما يقولون و فيما يكتبون؛ لتأخذ منهم بعض تآليفهم جزءا كبيرا من أعمارهم بل أخذت من بعضهم كلَّ أعمارهم.

و لكي تقع أخي القارئ على شيء من ذلك انتخبت لك ثلَّة منهم لترى رأي العين كلَّ ما أطلتُ في الحكاية لك عنه. 

  الموطأ للإمام مالك :

أمّا مالك رحمه الله فأشهرُ من نار على عَلَم،كان عالمَ المدينة النبوية و فقيهَها و محدِّثَها،ظهر نبوغه و هو لا يزال صغيرا و رزقه الله تعالى قلبا واعيا و حافظة قرية و ذهنا وقادا،ولم يزل صابرا على طلب العلم - و الحديث خصوصا- حتى صار من أعلم أهل الزمان به.

 قال الثوري رحمه الله:"لم يبق على وجه الأرض آمن على حديث رسول الله من مالك".

وقال أيضاً:"ما أقدم على وجه الأرض في صحة الحديث على مالك أحداً".

وكان الشافعي يقول :"إذا ذكر العلماء فمالك النجم".

لقد كان مالك عالما صاحب أثر كثيرا ما يتمثل بقول الشاعر:

وخير أمور الدين ما كان سنة      و شر الأمور المحدثات البدائع.

 و من درره رحمه الله قوله:"قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد تمَّ هذا الأمر و استكمل، فينبغي أن تتبع آثار رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه و لا يتبع الرأي، فإنه من اتبع الرأي جاءه رجل أقوى منه في الرأي فتبعه فكلما غلبه رجل اتبعه أرى أن هذا بعد لم يتمّ...".[الموطأ برواياته الثمانية/98 و ما قبلها].

قال ابن العربي عن الموطأ:"هو الأصل الأول و اللباب و كتاب البخاري هو الأصل الثاني في هذا الباب، و عليه بنى الجميع كمسلم و الترمذي"[المرجع نفسه].

لكن كم من الزمن قضى مالك في تأليفه؟

قال أبوزهرة:"و يظهر أن مالكا أخذ وقتاً طويلاً في تدوينه و تمحيصه حتى استطاع أن ينشره على الناس،فإنّ طلب أبي جعفر تدوينه كان حوال سنة 148 هـ،و نشره على الناس كان حوال159 هـ، أي أنّ الفترة بين الطلب و النشر كانت نحو إحدى عشرة سنة قضاها مالك في جمع و تمحيصه،و  لقد قالوا إنّه استمرّ يمحص فيه إلى أن مات...". [مالك؛حياته و عصره...ص228] .

قلت: وقيل قضى فيه الإمام رحمه الله أربعين سنة كاملة، والله أعلم. 

المسند لأحمد بن حنبل:

الإمام أحمدُ رحمه الله تعالى هو مُسنِدُ الدنيا بأسرها، وكتابُه المسنَد هو مسنَدُها مطلقاً، و كلُّ من كتب عنه رحمه الله يذكر عنه كراهته الكتابةَ،والسببُ أنه كان إماماً أثرياًّ ليس يهوى غيرَ الحديث، فكان يكره أن يكتب  شيئاً سواه،حتى إنّه كره بل و منع أن تُكتب فتاواه، و كان يكره أن يَحشُر من يُصنِّف في الحديث آثارَ النَّاس مع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛لأجل هذا كلِّه اتجهت همَّتُه أن يصنِّف للناس كتاباً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم يكون لهم إماماً إذا اختلفوا في شيء من أحكام الدين.

و لكنَّ كتاباً بهذا الحجم و بهذه الأهمية كان سيأخذ من الإمام رحمه الله قريباً مما أخذته منه الأيام و الليالي من العمر. 

فقد جاء في كتاب المنهج الأحمد:"كان ابتداؤه فيه سنة 180هـ

و قال شمس الدين الجزري ما نصه:"إن الإمام أحمد شرع في جمع المسند فكتبه في أوراق منفردة و فرقه في أجزاء منفردة على نحو ما تكون المسودة، ثم جاء حلول المنيّة قبل حصول الأمنية، فبادر بإسماعه لأولاده و أهل بيته، و مات قبل أن تنقيحه و تهذيبه،فبقي على حاله...".[أحمد ابن حنبل لأبي زهرة 183-184].

 صحيح البخاري:

البخاريُّ هو الإمام الحجة العلَم النُّاقد المجتهد شيخ الإسلام؛ طلب العلم و هو ابن عشر سنين، و أصلح خطأً في الإسناد للدَّاخلي و هو ابن إحدى عشرة فأقرَّ له بذلك، و لمّا بلغ الثالثة عشرة كان قد حفظ كتب ابن المبارك و كتب وكيع.

ألّف البخاري كتباً جمّة و لكن ليس يُعلم في التاريخ كتابٌ بعد كتاب الله تعالى؛ لقي من الاهتمام شرحاً و تدريساً ما لقيه كتابه الصَّحيح رحمه الله، كيف وقد أربت شروحه على المائة شرح.

أمّا عن المدّة التي قضاها في جمعه و تنسيقه و تبويبه و ترتيبه؛ فقد قال بلسانه رحمه الله:"صنفت الصحيح في ست عشرة سنة و جعلته حجة فيما بيني و بين الله".[السير 12/405]

و لمّا ذكر الذهبيُّ الصحيح قال:"جزاه الله عن الإسلام خيرا، نعم ما ادّخره لمعاده".[جزء فيه ترجمة البخاري/انظرمقدمة هدي الساري /39 ت:الفريابي]  

صحيح مسلم :

كان مسلمٌ رحمه الله من كبار علماء زمانه، لكنَّه لم يكن أعلى أهلِ طبقته علماً،بل كان فيهم من لا يدانيه مسلمٌ بكثير؛ و يكفي في ذلك – مثالاً- شيخه البخاري رحمه الله تعالى،لكن الذي جعل صِيتَ مسلمٍ يعلو على بعض الكبار من أهل طبقته صناعتُه لذلك الكتاب الفذّ "المسند الجامع الصحيح"؛و يجهل كثير من الناس أن ذلك الصِّيت لم يكن له أن يكون  لولا السِّنون الطِّوال التي قضاها رحمه لله في تأليفه. 

قال الشيخ مشهور حسن :"صنف مسلم كتابه الصحيح...على ما قاله أحمد بن سلمة [في]خمس عشرة سنة و نقل عنه بعضهم أنه اثنتا عشرة سنة و هو تصحيف أو خطأ مطبعي و قال النووي بقي في تهذيبه و انتقائه ست عشرة سنة و هو الزمن الذي استغرقه لبخاري في تأليف صحيحه".

قلت:وذكر أنه بدأ في تأليفه و هو في التاسعة و العشرين من عمره.[الإمام مسلم بن الحجاج 155 لمشهور بن حسن سلمان] .

و قال الأستاذ محمود فاخوري :" و نقول إنه لبث في تأليفه خمس عشرة سنة و ليس ذلك بمستغرب".[الإمام مسلم بن الحجاج حياته و صحيحه ص 62].

فتح الباري شرح صحيح البخاري:

أتحف اللهُ الزمانَ في قرنه التاسع الهجريِّ برجلٍ فذٍّ من أعظم الناس علماً و فهماً، و قد آتاه الله تعالى المُكْنة في علوم الشريعة حتى ذلَّت ناصيتُها إليه، و رزقه الله قبولاً يكاد يكون عديم النّظير بين أهل طبقته، فتوافد الناس عليه، و كثُر الزّحام في مجالسه، حتى قيل إنّ أعيان العلماء من كل مذهب كانوا من تلامذته، و صار ت كلمةُ الحافظ في زمنه و بعد زمنه بكثير؛ إذا أطلقت انصرفت الأذهان إلى شخص الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.

لقد بارك الله للحافظ في تآليفه حتى كثرت وانتشرت و طلبها العلماء و الأمراء، لكن لا كتاب منها حظي بمثل ما حظي به الفتح الذي كان حقاًّ فتحاً من الله لا على الحافظ وحده بل على هذه الأمة بأسرها أدى به الحافظ عنها الدين الذي كان في ذمتها حول شرح صحيح البخاري.

جاء في كتاب الجواهر و الدُّرر؛ قال السخاوي رحمه الله:" كان الابتداء فيه في أوائل سنة 817هـ على طريق الإملاء ثم صار يكتب من خطِّه مداولةً بين الطلبة شيئاً فشيئاً و الاجتماع في يوم من الأسبوع للمقابلة و المباحثة و ذلك بقراءة  شيخنا...إلى أن انتهى في أوائل يوم من رجب سنة 842هـ سوى ما ألحق بعد ذلك فلم ينتهي إلا قبيل وفاة المؤلف بيسير". [كتاب الجواهر و الدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر للسخاوي. تحقيق إبراهيم باجس 2-675]

قلت : فيكون عمر الكتاب إذن خمساً وعشرين عاما كاملاً.

 عمدة القاري شرح البخاري للعيني:

العينيُّ رحمه الله محدِّثٌ حنفيٌّ على قلَّة المحدِّثين في مذهب الحنفيَّة الذين كان له شأن في هذا الفنّ، لا يُذكِّر به في مثل بروزه فيه إلا الزيلعيُّ صاحبُ نصب الراية،على أيِّ حال فقد وفَّق الله العينيَّ أن تكون له مشاركةٌ هامّةٌ في شرح أصحِّ الكتب بعد كتاب الله تعالى ألا و هو صحيح البخاري رحمه الله، و لأنّ المسألة لم تكن بتلك اليسيرة فإن الأمر كان طويلا جعل العينيَّ ينفق من عمره قرابة الثلاثة عقود كاملة.

قال صاحب (كتاب البدر العيني...) :"هو أجلّ كتب العينيّ و أشهرها،بل هو من أجلّ شروح صحيح البخاري،كان ابتداؤه فيه في رجب آخر سنة820هـ، وفرغ منه في 5 جمادى الأولى سنة 847هـ كما ذكر في آخر الكتاب".[انظر بدر الدين العيني و أثره في علم الحديث ص210] .

قلت: فيكون عمر الكتاب ما يقارب السبع و العشرين سنة كاملة.

سير أعلام النبلاء:

ليس يشك أحدٌ أنّ كتاب السير من الموسوعات الضخمة في بابه، هذا و هو مختصرٌ فكيف بأصله الأكبر تاريخ الإسلام له أيضاً، جمع الذهبي رحمه الله في السير حوادث قرابة السبعمائة عامٍ على امتداد ما مرَّت به من أخبارٍ و أحوالٍ لأناسٍ تعاقبوا أجيالاً بعد أجيال، ترجم لأمّة من الناس بلغ تعدادهم الستة آلاف و يزيد، و لغزارة المادة العلمية في الكتاب بسبب تفنُّن صاحبها و موسوعيَّته صار الكتاب كالنهر الجاري يقتبس منه الباحثون موادَّ مختلفةً لأنواع من البحوث يفردونها منه؛ فهذا في العقائد و هذا في الآداب و هكذا...

و من جميل ما طرَّز به الذهبيّ كتابه؛ تلك التعليقات الرائعة و التنبيهات الرائقة على ما كان يسرده من الحوادث يربي من خلالها القارئ بنصائح ذهبية قلَّ أن تجد مثلها في كتاب تاريخ، و يا ليت و يا حبَّذا و ما أروع لو نسج على منواله من كتب مثل كتابته و لكن ...عودٌ إلى المقصود : ما عمر هذا الكتاب الفذّ ؟

قال الأستاذ مجد أحمد سعيد مكي في مقدمة كتابه المحال عليه لاحقاً:"...حققت تاريخ تأليفه للكتاب حيث ابتدأ به سنة 732 هـ و استمرّ في تهذيبه إلى سنة 744 هـ".[أقوال الحافظ الذهبي النقدية...].

قلت: فيكون عمر الكتاب اثنتا عشرة سنة.

تاريخ بغداد للخطيب البغدادي:

كلُّ من يعرف الخطيبَ عن قرب يعرف أنه رجل نبت في الحديث، و في حلق المحدثين نشأ و ترعرع، فلقد بدأ السماع و هو في سنِّ الحادية عشرة، وهذا كان ممّا أعانه على أن يكون له شيوخ كُثر إضافة إلى الرحلة التي قام بها في سبيل ذلك. ومن مهمات ما حصل له في رحلاته؛ لقاؤه بأبي نعيم الأصبهاني صاحب الحلية، و كتب له وصيةً إليه؛ شيخُه أبو بكر البرقاني قال فيها:"و قد نفذ إلى ما عندك عمداً متعمِّداً أخونا أبوكر أحمد بن علي بن ثابت- أيده الله  سلمه - ليقتبس من علومك،  يستفيد من حديثك و هو بحمد الله ممن له في هذا الشأن سابقة سنة و قدم ثابت  فهم به حسن و قد رحل فيه و في طلبه، و حصل له منه ما لم يحصل لكثير من أمثاله الطالبين له، و سيظهر لك منه عند الاجتماع من ذلك، مع التورع و التحفظ و صحة التحصيل ما يحسن لدي موقعه...".

كان الخطيب رحمه الله واسع العلم و المعرفة جداًّ ما جعله أحد أكثر أهل العلم تأليفاً لكنَّ أضخم كتاب ذاع خبره كان كتابَ " تاريخ مدينة السلام و أخبار محدثيها و ذكر قُطَّانها العلماء من غير أهلها و وارديها " المشهور على لسان أهل العلم بتاريخ بغداد.

فكم يا ترى عمر هذا الكتاب؟

قال الأستاذ بشّار عواد محقِّق الكتاب:"لا ندري الوقت الذي بدأ الخطيب فيه تأليف كتابه هذا ولكننا نعلم يقيناً أنه كتب نسخته الأولى قبل ذهابه إلى الحج في أواخر سنة 445هـ حيث شرب ماء زمزم في حجته و سأل الله تعالى أن يحقق له ثلاثة أمور كان أحدها أن يحدث بتاريخه هذا في بغداد نفسها...".

ويذكر الأستاذ بشَّار أن الخطيب رحمه الله كان حريصاً على ضمِّ كلِّ ما يستجدُّ عنده من معلومات أو تراجم و غير ذلك ممّا له تعلُّقٌ بتاريخه.

يقول الأستاذ :"إن عشرات النصوص في تاريخ الخطيب تبين أنه كان حريصاً على إضافة كل معلومة تستجدّ إلى قريب وفاته لاسيما المعلومات الخاصّة بذكر وفيات من ترجم لهم قبل أن تدركهم الوفاة في زمانه؛ فقد ذكر مثل وفاة ابن الدجّاجي التي كانت في سلخ شعبان من سنة 463هـ أي قيل وفاته بثلاثة أشهر".

قلت: ما بين سنتي 445 و 463 للهجرة ما يقارب الثَّمان عشرة سنةً (18) قضاها الخطيب في كتابة التاريخ، لكنّ الذي يظهر من تلك النقول أنّ جزءا كبيراً من التاريخ كان ناجزاً قبل سنة 445هـ ممّا يؤكد أن عمر التاريخ الكامل يدور بين الخمسة و العشرين و الثلاثين سنة و لعله أكثر، و ليس ذلك غريباً في حقِّ كتاب في حجم تاريخ بغداد.والله تعالى أعلم

تاريخ دمشق لابن عساكر:

كان ابن عساكر منشغلاً بالطلب و الرحلة فيه،فجاب الأرض شرقاً و غرباً، و قد أخذ منه ذلك ريحانةَ شبابه ثمّ كتب بعد ذاك التَّطواف العريض شعراً سجّل فيه حكاية الرحلة، لكنه رجع مليئاً يتزاحم عليه الطلبة و يطلبه الولاة،و حين همّ بكتابة تاريخ دمشق طار الخبر كلَّ مطار و صار كلامَ الناس في نواديهم و مجالسهم مما جعله بعد أن فترت همّته في إكماله لظروف ألمّت به؛ يستأنف الأمر من جديد.

شرع ابن عساكر في تأليف تاريخه كما قال السمعاني حين دخل نيسابور وكان ذلك كما جاء في الأخبار سنة 529هـ وانتهى من تصنيفه في مرحلته الأولى سنة 549هـ و بلغ خمسائة و سبعين جزءا ثم أخذ يزيد فيه و يضم إليه ما يستجد عنده حتى تمت نسخته الجديدة المؤلفة من ثمانين مجلدا سنة 559هـ.

و قدَّر د.المنجد أن الحافظ[ابن عساكر] سلخ في تأليف تاريخه ثلاثين سنةً أو أقلَّ قليلاً.

قال النووي:"هو حافظ الشام بل هو حافظ الدنيا،الإمام مطلقا، الثقة الثبت".

وصفه السبكي بقوله: "ناصر السنة و خادمها...إمام أهل الحديث في زمانه،و ختام الجهابذة الحفاظ...البحر الذي لا ساحل له".[انظر مقدمة تاريخ دمشق للمحقِّق محب الدين أبي سعيد العمروي 25-29-31 ].

 و أخيرا أقول: ليس ما ذكرته إلا نماذج مثلت بها و إلا ففي صحائف التاريخ من الكنوز من مثل ما ذكرت كثيرا لا يزال خفياًّ على  كثير من الناس أخبارُها و إنه لحري بكل طالب علم لا يزال في نفسه بقيةٌ من حبّ الخير لهذه الأمة أن يعلم كم كان للكلمة من الوزن عندهم، ولكنّ  الأحرى أن يعلم أنَّ الشأنَ كلَّ الشأن إنّما هو في الكلمة حينما تكون في نفسها بياناً ؛ ذوقاً واختياراً ورعاية .

قال أبو فهرٍ رحمه الله:"الكلمة هي البيان، والبيان هو نعمة الله الكبرى التي أنعم الله بها على عباده من كلّ جنس ولون، وكذلك علّمنا ربّنا سبحانه إذ قال: ﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)﴾ [الرحمن : 1 - 4] فمن استهان بالكلمة فقد استهان بأفضل آلاء الله على عباده، وبالنّعمة الكبرى التي أخرجته من حدّ البهيمة العجماء إلى حدّ الإنسان النّاطق..."[أباطيل و أسمار/محمود شاكر 562] 

 

ثم أختم بنصيحة صادقة لكل عجول يمتهن الكتابة و لم يريِّش بعد: إنَّ على المرء إن كان قد تلبَّس بشيء من العجلة فيما مضى من عهده؛ أن يتحرّز فيما يستقبل من الزمن،و قد قيل"ربّ عجلة تهب ريثاً" و العاقل لا يدع من نفسه فرجة يتورّدها من يريد اقتحام عورته من خلالها،إلاّ هبّ هبوب الريح لسدِّها،و العبد متى ما تلمّس عيوب نفسه و سعى في إصلاحها، أنجح الله حاجته،و قضى له أرَبَه، و عادت الصفقةُ رابحةً من جديد.

ثم أقول لأناس من ربائب أوروبا ممّن هم في حجورنا طالما يصبِّحوننا و يمسون بمآثر الغرب و محافله و في المقابل يهونون من شأن أمتنا و ملتنا: إنّ أمّة الإسلام أمّة عظيمة عظم دينها و أخلاقها، و إنّ رحمها ولود و مجدها ينبو لكن يعود و يكفينا في ردّ سفههم: واقعٌ لكبراء أمّتنا حكيناه،و شهاداتٌ من عقلائهم ـ في تصديق ذلك ـ لا تزال تَفِدُنا،و الحمد لله.

لولا عجائب صنع الله ما ثبتت   تلك الفضائل في لحم و لا عصب

و الحمد لله و صلى الله على رسول الله و على آله وصحبه و سلم.


[1] (فاطر 37)

 [2] (قاله قتادة ذكره عنه ابن كثير في تفسير آية فاطر المتقدمة)

[3] (مناقب أبي حنيفة للإمام الموفق المكي 3/472 نقلا عن قيمة الزمن ص 31).

 [4] (قيمة الزمن 44)

 [5] (قيمة الزمن71)

 

 


إتصل بنا المرأة المسلمةصوتياتخطب منبريةنافذة على الواقع  وهران وضواحيهاالتعريف بالموقعالصفحة الرئيسة 


يسمح من الاستفادة من محتوى الموقع لأغراض علمية ودعوية ، على أن تكون الإشارة عند الاقتباس إلى الموقع
www.Minbarwahran.net