إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا
ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل ومن يضلل فلا هادي له
وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده
ورسوله,
أما بعد:
ليس القصد هو دراسةَ البيقونية لنفسها، إذ إنّ هذا الباب فيه من
المتون الكفاية وزيادة، ولكنّ القصد دراسةُ المصطلح من أوجز طريق
وبأسهل أسلوب ، ولقد صار كالمسلّم في هذا الباب، أن تكون البيقونية
هي المرشَّحَ لهذا، ولأمرٍ ما، أُعطيت هذه المنظومة كلَّ هذا
الاعتناء، فلكم شرحها الشارحون ودرّسها في حلقهم المدرّسون، بل
صرَّح بعض المعاصرين أنّها كانت فاتحة خير على المبتدئين بها من
الطّلبة، ومهما يكن ، فإنّنا على نفس هذا الدرب بإذن الله سائرون،
وعلى خطى من سلف ممّن قرّرها وشرحها ودرّسها ماشون، آملين من الله
سبحانه أن يدلّنا على خير ما قصدنا له، وأن يعيننا عليه.
الحلقة الأولى
متن المنظومـــة
أَبْدَأُ بِالحَمْـــــدِ مُصَلِّيَـــاً عَلَى
مُحَمَّدٍ خَيْـرِ نَبِيٍّ أُرْسِــلا َ
وَذِي من أقْـسَامِ الحَــدِيثِ عِــدَّهْ
وَكُلُّ وَاحِــدٍ أَتَى وَحَـدَّه ْ
أَوَّلُهَـا الصَّحِيحُ وَهْوَ مَــا اتَّصــل
إسْنَادُهُ وَلَمْ يَشُـذَّ أَوْ يُعَـلْ
يَــرْوِيهِ عَدْلٌ ضَابِــــطٌ عَنْ مِثْلِه ِ
مُعْتَمَدٌ فِـي ضَبْطِهِ وَنَقْلِــه
وَالحَسَــن المَعْرُوفُ طُرْقـاً وَغَـدَتْ
رِجَالُهُ لاَ كَالصَّحِيحِ اشْتَهَرَتْ
وَكُلُّ مَـا عَـنْ رُتْبَةِ الحُسْنِ قَصـــرْ فَهْوَالضَّعِيفُ
وَهْوَ أَقْسَاماً كَثُرُ
وَمَا أُضِيفَ لَلنَّبِــــــي المَرْفُـوعُ
وَمَا لِتَابِعٍ هُوَالمَقْطُــــوعُ
وَالمُسْنَدُ المتَّصِلُ الإسْـــنَاد مِـــنْ
رَاوِيهِ حَتَّى المُصْطَفَى وَلَمْ يَبِنْ
وَمَا بِسَمْعِ كُــلِّ رَاوٍ يَتَّصِـــــل
إسْنَادُهُ لِلْمُصْطَفَى فَالْمُتَّصِـل
مُسَلْسَلٌ قُــلْ مَا عَلَى وَصْفٍ أَتَــى
مِثْلُ أَمَا وَاللهِ أَنْبَانِي الْفَتَــى
كَذَاكَ قَدْ حَدَّثَنِيـهِ قَائمـــــــا أَوْ
بَعْدَ أَنْ حَدَّثَنِي تَبَسَّـمـا
عَزِيزُ مَـــــرْوِي اثْنَيْنِ أوْ ثَلاَثَـهْ
مَشْهُورُ مَـرْوِي فوْقَ مَا ثَلاَثَهْ
مُعَنْعَنٌ كَعَنْ سَــعِيدٍ عَنْ كَــــرَمْ
وَمُبْهَمٌ مَا فِيهِ رَاوٍ لَمْ يُسَـمْ
وَكُلُّ مَا قَلَّــتْ رِجَالُهُ عَـــــلاَ
وَضِدُهُ ذَاكَ الَّذِي قَدْ نَــزَلاَ
وَمَا أَضَفْتَهُ إِلَى الأَصْحَــابِ مِـــنْ
قَوْلٍ وَفِعْلٍ فَهْوَمَوْقُوفٌ زُكِـنْ
وَمُرْسَــلٌ مِنْهُ الصِّحَـــابِيُّ سَـقَطْ
وَقُلْ غَرِيبٌ مَا رَوَى رَاوٍ فَقَطْ
وَكُلُّ مَا لَمْ يَتَّصِــلْ بِحَـــــال ِ
إسْنَادُهُ مُنْقَطِعُ الأَوْصَـــال
والمُعْضل السـاقِط مِنه اثنـــــانِ وما
أتى مُدلسـاً نوعــانِ
الأَوَّلُ الاسْقَاطُ لِلشَّــــــيْخِ
وَأَنْ يَنْقُلَ عَمَّنْ فَوْقَــهُ بِعَنْ
وَأَنْ
وَالثَّانِ لاَ يُسقطُهُ لَــكِنْ يَصِـــفْ
أَوْصَافَهُ بِمَا بِهِ لاَ يَنْـــعَرِفْ
وَمَا يُخَـــالِفْ ثِقَةٌ بِهِ المــــَلاَ
فَالشَّاذ والمَقْلُوبُ قِسْمـانِ تَلاَ
إبْدَالُ رَاوٍ مَا بِرَاوٍ قِسْــــــمُ
وَقَلْبُ إسْنَادٍ لمَتْنٍ قِسْـــمُ
وَالْفَــــرْدُ مَا قَيَّدْتَـهُ بِثِقـــةِ
أَوْ جَمْعٍ أوْ قَصْرٍ عَلَى رِوَايَـةِ
وَمَا بِعِلَّةٍ غُمُوضٍ أَوْ خَفَــــــا
مُعَلَّلٌ عِنْدَهُمُ قَدْ عُــــرِفا
وَذُو اخْتِلافِ سَنَــدٍ أَوْ مَتْـــنِ
مُضْطَرِبٌ عِنْدَ أُهَيْلِ الْفَــنِّ
وَالمُدْرَجَاتُ فِي الحَدِيثِ مَا أَتَـــتْ
مِنْ بَعْض أَلْفَاظِ الرُّوَاةِ
اتَّصَلَتْ
وَمَا رَوَى كُلُّ قَرِينٍ عَنْ أَخِــــهْ
مُدّبَّجٌ فَأَعْرِفْهُ حَقّاً
وَأَنْتَـخِـهْ
مُتَّفِقٌ لَفْظـــاً وَخَطـــاً مُتَّفِـقْ
وَضِدُّهُ فِيمَا ذَكَرْنَا
المُفْتَــرِقْ
مُؤْتَلِفٌ مُتَّقِقُ الخَـطِّ فَقَـــــطْ
وَضِدُّهُ مُخْتَلِفُ فَاخْشَ الْغَلَطْ
وَالمُنْكَــــرُ الْفَرْدُ بِهِ رَاوٍ غَـدَا
تَعْدِيلُهُ لاَ يَحْمِلُ
التَّــفَرُّدَا
مَتْرُوكُهُ مَا وَاحِــدٌ بِهِ انْفَـــرَدْ
وَأَجْمَعُوا لِضَعْفِهِ فَهْوَ
كَـرَدْ
وَالكَــذِبُ المُخْتَلَقُ المَصْنُـــوعُ
عَلَى النَّبِي فَذلِكَ المَوْضُـوعُ
وَقَدْ أَتَتْ كَالجَوْهَرِ المَكْنُـــــونِ
سَمَّيْتُهَا مَنْظُومَةَ الْبَيْقُونِــي
فَوْقَ الثَّـــلاَثِينَ بِأَرْبَعٍ أَتَـــتْ
أَقْسَامُهَا تَمَّتْ بِخَيْرٍ
خُتِمَـتْ
الحلقة
الثانية
من هو البيقونيّ ؟.
تنبيه : قد يجد الطالب بعض التكرار في الكلام،فليعلم أني تعمدته
زيادة في التوضيح فإن غرضي هو إفهام القارئ المبتدئ و كذا غير
المتخصص بكل سبيل ممكن.
بدأ البيقوني رحمه الله منظومته بحمد الله تعالى، و الحمد معناه :
وصف المحمود (و هو هنا الله سبحانه)بالكمال، مع المحبة والتعظيم،
فإن خلا الوصف عن المحبة والتعظيم، فهو مدح لا حمد.
ثمّ صلى على رسول الله صلى الله عليه و سلم لقوله تعالى :"
يأيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما ".
و الصلاة إذا كانت من الله تعالى فهي ثناؤه على نبيه صلى الله عليه
و سلم في الملأ الأعلى و ذكره له بالجميل .
و إذا كانت من الملائكة فهي استغفارهم له.
و إذا كانت من العباد فمعناها طلبهم من الله أن يذكره في الملأ
الأعلى بالخير و الذكر الحسن.
و قد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يجمع في خطبته كل ذلك أي
الحمد و الصلاة، فكان موضعاً للأسوة.
ثمّ قال :
و ذي من أقسام الحديث عدّه.
يقصد: هذه مجموعة من أقسام الحديث جمعتها لك في هذه المنظومة
لتستعين بحفظها على استظهارها في ذهنك وقت ما تشاء.
ثمّ قال :
و كلّ واحد أتى و حدّه.
يقصد: أنّ كلّ واحد من الأقسام المذكورة جاء في المنظومة مصحوباً
بحدّه، و الحدّ هو التعريف.
أولها الصحيح و هو ما اتصل … إسناده و لم يشذ أو يعل.
يرويه عدل ضابط عن مثـله … معتمد في ضبطه و نقله.
اعلم أن الحديث في اللغة العربية يطلق على مجموعة من المعاني منها:
الكلام، و سمّي الكلام حديثا لأنه يتجدد و ذلك لأنّ من معاني
الحديث أيضا في العربية : الجديد.
و أمّا الصحيح في اللغة العربية فيطلق أيضا على مجموعة من المعاني
منها: ما لا علة فيه و لا مرض .
و أمّا في الاصطلاح ، فإنّ الحديث الصحيح هو ما توفرت فيه شروط
خمسة هي التي ذكرها البيقوني في البيتين السابقين وهي:
اتصال السند / العدالة / الضبط / عدم الشذوذ / عدم العلة .
ولنبدأ بأولها و هو :
اتصال السند
:
و معناه عند علماء المصطلح : أن يكون كل راو قد أخذ الحديث ممّن
فوقه بدون واسطة إنسان آخر، و ليسهل عليك الفهم أخي الطالب أمثل لك
بهذا الحديث .
روى البخاري في صحيحه قال حدثنا
محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب
الثقفي عن أيوب
عن أبي قلابة
عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول
الله صلى الله عليه و سلم : " ثلاث من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة
الإيمان : أن يكون الله و رسوله أحبَّ إليه ممّا سواهما، و أن يحبّ
المرء لا يحبه إلا لله، و أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن
يقذف في النار ".
أولا : عليك أن تعلم أخي الطالب أنّ :
السند
عندنا هنا في الحديث هو :
حدثنا
محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب
الثقفي عن أيوب
عن أبي قلابة
عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول
الله صلى الله عليه و سلم.
و أمّا
المتن
فهو :
" ثلاث من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان :
أن يكون الله و رسوله أحبَّ إليه ممّا سواهما، و أن يحبّ المرء لا
يحبه إلا لله، و أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في
النار ".
و بهذا تعلم أن الحديث هو ما تركّب منهما جميعا، أي من السند و
المتن.
نعود إلى بيان معنى اتصال السند
:
إن المقصود باتصال السند عند علماء المصطلح : أن يكون كل راو من
رواة السند قد أخذ الحديث ممّن فوقه، و هذا الذي هو فوقه يسمونه
شيخه و لو روى عنه حديثا واحدا فقط.
و لزيادة الفهم نطبق هذا الشرح على السند الموجود بين أيدينا
فنقول:
لا يكون هذا السند : ( حدثنا
محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب
الثقفي عن أيوب
عن أبي قلابة
عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول
الله صلى الله عليه و سلم
).متصلا
حتى يكون البخاري قد أخذ الحديث من الذي فوقه و هو محمد بن المثنى،
و يكون محمد بن المثنى قد أخذ الحديث من الذي فوقه و هو عبد الوهاب
الثقفي و يكون عبد الوهاب هذا قد أخذه هو بدوره ممن فوقه و هو
أيوب ، و يكون أيوب قد أخذه هو أيضا ممن فوقه و هو أبو قلابة و
يكون أبو قلابة قد أخذه من أنس رضي الله عنه أيضا.
و لو فرضنا مثلا أن البخاري لم يسمع الحديث من محمد بن المثنى و
إنما سمعه من رجل آخر، و هذا الرجل الآخر هو الذي سمعه من محمد بن
المثنى، و وجدنا أن البخاري لم يذكر هذا الرجل الآخر بل أسقطه و
روى مباشرة عن محمد بن المثنى فإنّ السند لا يصير متصلا.
فإذا وجدنا الأمر كما شرحناه أولا ظهر أن السند متصل و معنى ذلك
إذاً أنه لا يوجد بين أي راو في السند و بين من فوقه راو آخر سقط
من السند و لم يُذكر .
و يأتي ههنا سؤال، و هو كيف لنا أن نعرف أن كل راو قد أخذ هذا
الحديث ممّن فوقه؟.
الجواب : نعلم ذلك بمجوعة أشياء أهمّها : أن يصرح الراوي بسماعه من
الراوي الذي فوقه بأن يقول : سمعت أو حدثني أو سمعنا أو حدثنا.
و مثال ذلك في السند الموجود بين أيدينا: قول البخاري :
حدّثنا
محمد بن المثنى.
و قول محمد بن المثنى :
حدّثنا
عبد الوهاب الثقفي و هلمّ جرّا .
و هناك أشياء أخرى نعرف بها وقوع الاتصال ندعها لوقت آخر إن شاء
الله.
*****
الحلقة
الثالثة
الشرط الثاني
:
العدالة
العدالة هي الوصف الذي إذا حصل في الراوي صار يسمى عدلاً فصار
عندنا إذاً شيئان :
وصف و موصوف؛ أماّ الوصف فهو العدالة و أماّ الموصوف فهو الحامل
لوصف العدالة و هو ما نسمّيه العدل.
لكن ما معنى العدالة؟ ثمّ كيف يصير بها الراوي بعد حصولها فيه
عدلاً؟
هذا ما سنتعرّض له الآن بالإجابة.
أرجو منك أخي الكريم أن تتابع معي بتمهُّل شديد واحرص على أن تكون
صابراً و ستفهم بإذن الله:
لقد عرَّف العلماء العدالةَ بتعريفات مختلفة لكنَّها متقاربةٌ في المعنى
كثيراً،و أنا أذكر لك التعريفَ المختارَ مع شرحٍ خفيفٍ على ذهنك تعلم من
خلاله ما هو المقصود منها:
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله :"العدالة
ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى و المروءة ".
ما سنفعله الآن هو أننا سنشرح مفردات التعريف كلمةً كلمةً، حتى إذا
انتهينا من ذلك جمعنا الشرح بكامله من جديد في نسقٍ واحد إن شاء
الله ؛ فنقول :
أماّ
الملَكَةُ
فمأخوذة من الامتلاك؛ فرجل يملك الحفظ نقول عنده ملكة الحفظ و رجل
يقول الشعر نقول عنده ملكة الشعر،و معناها أن الإنسان لكثرة ما
يمارس شيئاً ما و لكثرة ما يعوِّد نفسه عليه، يصير له بعد مدة من الزمن
عادة في نفسه سهلةً عليه بعد أن كان في أول الأمر لا يفعله
إلا بمشقة، و
دعنا نضرب المثال بمسألة الشعر :
لو أن رجلاً أحبَّ الشِّعر و أرادَ أن يصير شاعراً يقول الأبيات الجميلةَ
العذبةًَ، لكنه يعلم من نفسه أنه لا يملك لا عدّة ولا عتاداً؛فلا يعرف
من العربية إلا القليل،و لا يعرف أوزان الشعر و لا أنواع البحور و
لا كيف يبني القوافي، لكنه أصر على أن يصير شاعراً؛فإنه في أول
أمره سيثقل عليه تعاطي الشعر جداًّ جداًّ، سيبدأ في تعلم ما ذكرنا سابقاً
من اللغة و الأوزان و البحور، فضلا
ًعن حفظ كثير من الألفاظ العربية
ثم بعد ذلك سيبدأ في التطبيق، ففي أول أمره سيقول شعراً ركيكاً
هزيلا، ثم يُصرُّ على التقدم فيكثر من الممارسة و بعد مدة يصير يقول
شعرا وسطا مقبولا لكنه ليس بذاك الشعر التي تنبعث له النفس و تهيم
معه، لكنه يصر و يصر و هو لا يزال يكثر من الممارسة و التكرار حتى
يصير يقول الشعر الحسن الرائق المليح.
فنقول في حق هذا الرجل لقد تملك الشعر بعد أن لم يكن يملك منه
شيئا، و هو ما نعبر عنه بقولنا : حصلت له ملكة الشعر ن فبعد أن لم
تكن له عادة في قول الشعر و لا خبرة بذلك صار يملك هذه العادة و
هذه الخبرة و صار الشعر سهلا على نفسه يقوله بكل انسيابية و السبب
هو كثرة المداومة و التكرار التي جلبت ما سميناه بـ : ملكة الشعر
.أقول: هذا هو تعريف الملكة احرص على فهمه جيدا ودعنا الآن ننتقل
إلى شرح ما تبقى من الكلمات في تعريف العدالة.
قال ابن حجر : "تحمل صاحبها على
..."
المعنى من كلمة تحل هنا ليس هو ترفع و لكن هو تدفع و تحض، فإذا قلت
مثلا : حملت الولد فالمعنى هو : رفعته، و إذا قلت : حملت الولد على
طاعة أبيه؛ فالمعنى دفعتُه دفعاً و حضَضْتُه حضاًّ على
طاعة والده .
قال ابن حجر : "ملازمة
التقوى و المروءة"
التقوى
: قسمان ،قسم واجب على كل أحد؛ و هو فعل الطاعات الواجبة، و ترك
المنهيات المحرمة. وهذا المقدار من التقوى يشترك فيه كل الناس أي
يجب عليهم جميعا.
و أما القسم الثاني فهو التقوى المستحبة : و هي فعل المستحبات إلى
جنب الواجبات و ترك المكروهات إلى جنب المحرمات و إنما كان القسم
من التقوى مستحبا و ليس واجباً لأنّ فعل المستحب ليس واجباً و لأنّ
ترك المكروه ليس واجباً أيضا.
المروءة:
أما المروءة فقد عرفت بتعريفات كثيرة لكنها تصب في نفس المعنى؛ من
ذلك قول بعضهم : هي "فعل ما يزين و ترك ما يشين".
و قال بعضهم: هي"ترك ما هو مذموم في عرف الناس".
فإذا كانت المروءة هي أن يعمل المرء ما يرفعه بين الناس و يجعلهم
يثنون عليه خيرا، و أن يترك ما يكرهه الناس و يعيبونه، و لا يرضونه
في بيئتهم، فينبغي أن يعلم إذن أن الأمور المتعلقة بمروءة الإنسان
التي إما أن ترفع من قدره بينهم أو أن تضع منه مختلفة باختلاف
الزمان و المكان؛ و السبب في ذلك أنّ لكل زمان عرفه و كذلك لكل
مكان عرفه، و إنك تجد بعض الأمور لو فعلها إنسان ما في بلد ما لسقط
من أعينهم، في حين لو فعلها نفس الإنسان في بلد آخر لما عابوا عليه
شيئا.فهذا أكبر دليل على أن أعراف الناس مختلفة و لأجل ذلك كانت
خوارم المروءة مختلفة أيضا.
و نسيت أن أقول لك أن معنى
خوارم
المروءة: الأمور التي تسقط بسببها المروءة.
و الآن و قد شرحنا جميع مفردات العدالة دعنا نجمعها في نسق واحد
لنعرف ما معنى العدل:
إ
نَّ الراوي العدل هو ذاك الرجل الذي جاهد نفسه في فعل
الطاعات و ترك المنهيات و واظب على ذلك كثيرا و في نفس الوقت عمل
جهده على ترك الأسباب و الأعمال التي تسقط مروءته بين الناس و ساير
نفسه على هذا السبيل مرارا و تكرارا،و هو و إن كان يجد في أول
الأمر مشقة و صعوبة لكنه بكثرة المداومة و المجاهدة انقادت له نفسه
و صار يفعل الطاعة بانشراح و انسيابية بعد أن كان يفعلها بمشقة.
فإذا وصل الراوي إلى هذه الحال قلنا حصل فيه وصف العدالة و صار
يسمى عدلاً.
يتبع...