|
|
|||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||
|
|
|
||||||||||||||
|
بين تحزيب القرآن وتدبّره
بسم الله الرحمن الرحيم إنّ ما ورَّثَنا أسلافُنا من صُحف الصدقِ التي هي ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم﴾، إنْ هي -لعَمْرُ الله- إلا كتابٌ عزيز ونبأٌ عظيم، تنزيلُ ربِّ العالمين، على أشرف المرسلين، قرآنا عربيا ونورا مبينا، هدى وبشرى للمسلمين، شفاءً ورحمة للمؤمنين، موعظةً للمتقين، بصائرَ للناس وحبلُ الله المتين، إنه قول فصل، ما هو بالهزل، إنه أحسن الحديث. إنّ كتابا هذا وصفه لمحروم من هجره، آمن به ولم يتدبَّرْه، فهجْرُ القرآن أنواعٌ كما قال ابن القيم: "أحدها هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه، والثاني هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به، والثالث هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه واعتقاد أنه لا يفيد اليقين وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم، والرابع هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه، والخامس هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلب وأدوائها فيطلب شفاء دائه من غيره ويهجر التداوي به، وكل هذا داخل في قوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان/30] وإن كان بعض الهجر أهونَ من بعض." [الفوائد1/82] إن التدبر الذي قال عنه الميداني: "هو التفكر الشامل الواصل إلى أواخر دلالات الكلم ومراميه البعيدة" قد ذمَّ ربنا جلَّ وعز المتخلفين عن التأدب به مع كلامه، فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾[محمد/24] فترفَّع أخي القارئ عن أن تكون مطيعا للخناس اللعين، واقعا في شَرَكِه أسيرا في حبائله، وهو الذي أمر المشركين ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾[فصلت: 26]، قال ابن هبيرة: "ومن مكايد الشيطان تنفيرُه عبادَ الله من تدبر القرآن لعلمه أن الهدى واقعٌ عند التدبر، فيقول: هذه مخاطرة، حتى يقول الإنسان: أنا لا أتكلم في القرآن تورعا." [ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 3-273] وإني إذ أشوِّق نفسي بنُصح إخواني بذي القُربة العقليّة العظيمة يرتسمُ أمامي حائلٌ عنها كثيفٌ لزِق بالمصحف الشريف، ما استفاد منه المسلمون إلا التفريق وطرد التقريب بين آيات الكتاب الحبيب، إنه مُحدَثُ التحزيب. ما كنت لأصدِّق لو أُخبرتُ لكني عاينتُ وسمعت كثيرا من المتمسكين بالسنة أحسبُهم -فكيف بمن دونهم-، ما يكادون يَنْأون وهم يُنْهون عن لزوم التوقف عند الأرباع والأثمان بله الأحزاب والأجزاء، يفارق الواحد منهم سورة طويلة من القرآن، ولم يبق منها إلا صفحة أو صفحتان، وقد يركع دون إكمال السورة ولم يبق منها إلا آية أو آيتان، كأنما تعبَّده بالوقفِ ثَـمَّ الرحمنُ. إني أجزم بلا تردد أن هذا الصنيع الذي شقَّ على القارئين مفارقتُه إن لم يمنع من تدبّر القرآن فإنه قد تولّد من قلّة تفهّم آياته، وضعفِ الحرص على ربط معانيه وفقراته، في حين لم يألُ المفسرون جهدا في بيان ارتباط آيِه، وخص بعضُهم لهذا المقصد تأليفا كما فعل البقاعي في كتابه: نظم الدرر في تناسب الآيات و السور، "فياليت شعري! ما الذي خصّ آيات الكتاب بالمنع عن معرفة معانيها وفهم تراكيبها ومبانيها.. حتى جُعلت كالمقصورات في الخيام .. ولم يبق لنا إلا ترديد ألفاظها وحروفها ..." [إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد للصنعاني ص 36 بتصرف] وأخيراً اقْرَأنْ متفهِّماً كلاماً محقَّقاً لبعض لم يركنوا للعوائد بيّنوا فيه منشأ هذا التحزيب ومفاسد مَن التزم به عند القراءة: · قال النووي رحمه الله في "التبيان في آداب حملة القرآن" - (ج 1 / ص 115- 117): ينبغي للقارئ إذا ابتدأ من وسط السورة أو وقف على غير آخرها أن يبتدئ من أول الكلام المرتبط بعضه ببعض وأن يقف على الكلام المرتبط، ولا يتقيد بالأعشار والأجزاء فإنها قد تكون في وسط الكلام المرتبط، كالجزء الذي في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف/53] وفي قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ [النمل/56] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأحزاب/31] وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يس/28] وفي قوله تعالى: ﴿ِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت/47] وفي قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ﴾ [الزمر/48] وفي قوله: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الحجر/57] وكذلك الأحزاب كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة/203] وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران/15] ، فكل هذا وشبيهه ينبغي أن [لا] يُبتدأ به ولا يوقف عليه فإنه متعلق بما قبله، ولا يغترن بكثرة الغافلين له من القراء الذين لا يراعون هذه الآداب ولا يفكرون في هذه المعاني، وامتثل ما روى الحاكم أبو عبد الله بإسناده عن السيد الجليل الفضيل بن عياض رضي الله عنه: قال لا تستوحش طرق الهدى لقلة أهلها ولا تغترن بكثرة الهالكين ولا يضرك قلة السالكين. ولهذا المعنى قالت العلماء: قراءة سورة قصيرة بكاملها أفضل من قراءة بعض سورة طويلة بقدر القصيرة، فإنه قد يخفى الارتباط على بعض الناس في بعض الأحوال، وقد روى ابن أبي داود بإسناده عن عبد الله بن أبي الهذيل التابعي المعروف رضي الله عنه قال: كانوا يكرهون أن يقرؤوا بعض الآية ويتركوا بعضها. · وقال ابن تيمية (مجموع الفتاوى ج 3 / ص 207): ...وإذا كانت التجزئة بالحروف محدثة من عهد الحجاج بالعراق فمعلوم أن الصحابة قبل ذلك على عهد النبي r وبعده كان لهم تحزيب آخر؛ فإنهم كانوا يقدرون تارة بالآيات فيقولون: خمسون آية ستون آية. وتارة بالسور، لكن تسبيعه [أي تقسيم القرآن على سبعة أيام] بالآيات لم يروه أحد ولا ذكره أحد فتعيّن التحزيب بالسور...وهذا الذي كان عليه الصحابة هو الأحسن؛ لوجوه: - أحدها: أن هذه التحزيبات المحدثة تتضمن دائما الوقوف على بعض الكلام المتصل بما بعده حتى يتضمن الوقف على المعطوف دون المعطوف عليه، فيحصل القارئ في اليوم الثاني مبتدئا بمعطوف كقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء/24] وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأحزاب/31] وأمثال ذلك. ويتضمن الوقف على بعض القصة دون بعض -حتى كلام المتخاطبين- حتى يحصل الابتداء في اليوم الثاني بكلام المجيب كقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف/75]. ومثل هذه الوقوف لا يسوغ في المجلس الواحد إذا طال الفصل بينهما بأجنبي؛ ولهذا لو ألحق بالكلام عطف أو استثناء أو شرط ونحو ذلك بعد طول الفصل بأجنبي لم يسغ باتفاق العلماء، ولو تأخر القبول عن الإيجاب بمثل ذلك بين المتخاطبين لم يسغ ذلك بلا نزاع... والذي في القرآن نقل كلام حاضرين متجاورين فكيف يسوغ أن يفرق هذا التفريق لغير حاجة؟ بخلاف ما إذا فرّق في التلقين لعدم حفظ المتلقِّن ونحو ذلك. - الثاني: أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كانت عادته الغالبة وعادة أصحابه أن يقرأ في الصلاة بسورة كـ (ق) ونحوها وكما كان عمر رضي الله عنه يقرأ بـ"يونس" و"يوسف" و"النحل" ولما قرأ صلّى الله عليه وآله وسلّم بسورة المؤمنين في الفجر أدركته سعلة فركع في أثنائها. وقال: «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي فأخفف لما أعلم من وجد أمه به». وأما القراءة بأواخر السور وأوساطها فلم يكن غالبا عليهم؛ ولهذا يتورع في كراهة ذلك، وفيه النزاع المشهور في مذهب أحمد وغيره، ومن أعدل الأقوال قول من قال: يكره اعتياد ذلك دون فعله أحيانا؛ لئلا يخرج عما مضت به السنة وعادة السلف من الصحابة والتابعين. وإذا كان كذلك فمعلوم أن هذا التحزيب والتجزئة فيه مخالفة السنة أعظم مما في قراءة آخر السورة ووسطها في الصلاة، وبكل حال فلا ريب أن التجزئة والتحزيب الموافق لما كان هو الغالب على تلاوتهم أحسن. و"المقصود" أن التحزيب بالسورة التامة أولى من التحزيب بالتجزئة. - الثالث: أن التجزئة المحدثة لا سبيل [فيها] إلى التسوية بين حروف الأجزاء؛ وذلك لأن الحروف في النطق تخالف الحروف في الخط في الزيادة والنقصان يزيد كل منهما على الآخر من وجه دون وجه وتختلف الحروف من وجه... وإذا كان تحزيبه بالحروف إنما هو تقريب لا تحديد كان ذلك من جنس تجزئته بالسور هو أيضا تقريب، فإن بعض الأسباع قد يكون أكثر من بعض في الحروف، وفي ذلك من المصلحة العظيمة بقراءة الكلام المتصل بعضه ببعض والافتتاح بما فتح الله به السورة والاختتام بما ختم به وتكميل المقصود من كل سورة ما ليس في ذلك التحزيب. وفيه أيضا من زوال المفاسد الذي في ذلك التحزيب ما تقدم التنبيه على بعضها فصار راجحا بهذا الاعتبار. ومن المعلوم أن طول العبادة وقصرها يتنوع بتنوع المصالح فتُستحب إطالة القيام تارة وتخفيفه أخرى في الفرض والنفل بحسب الوجوه الشرعية من غير أن يكون المشروع هو التسوية بين مقادير ذلك في جميع الأيام، فعلم أن التسوية في مقادير العبادات البدنية في الظاهر لا اعتبار به إذا قارنه مصلحة معتبرة ولا يلزم من التساوي في القدر التساوي في الفضل؛ بل قد ثبت في الصحاح من غير وجه عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص/1] تعدل ثلث القرآن" وثبت في الصحيح أن "فاتحة الكتاب لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها" وثبت في الصحيح أن "آية الكرسي أعظم آية في القرآن" ؛ وأمثال ذلك.....
|
|||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||
|
يسمح من الاستفادة من محتوى
الموقع لأغراض علمية ودعوية ،
على أن تكون الإشارة عند الاقتباس
إلى الموقع
|
|||||||||||||||