أما بعد: فهذه حلقات ستكون متتابعة بإذن الله تعالى، تحوي شرحا
موجزا لكتاب الإمام أبي عمرو الداني، الموسوم بـ:
(ما ينبغي اعتقاده في الأحرف والقراءات وتاريخ المصحف)،
أكتبه متذللا، سائلا طامعا من الله أن يهديني به، ويوفق أصحاب الحق
من أهل التخصص في علوم القرآن وغيرهم إلى الانتفاع به، راجيا منه
سبحانه أن يسدد خطاي، ويرزقني الصواب في ما أقول وأكتب، إنه نعم
المولى ونعم النصير.
وبين يدي هذا الشرح أقدم بمقدمة، أقتصر عليها في هذه الحلقة، أعرف
فيها بالإمام أبي عمرو، وبكتابه هذا، فأسأل الله التوفيق والسداد,
والرشاد يوم المعاد، وهو حسبي ونعم الوكيل لا إله إلا هو.
أولا: الإمام أبو عمرو الداني:
قال ابن الجزري (ت833): هو عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر،
أبو عمرو الداني الأموي مولاهم، القرطبي، المعروف في زمانه بابن
الصيرفي الإمام العلامة الحافظ، أستاذ الأستاذين، وشيخ مشايخ
المقرئين. [وليس هذا مدحا أو إطراء بغير حق، فإن الناظر في هذا
العلم عن كثب فقط يرى أن الشيخ أبا عمرو هو الأصل في هذا الباب،
وكل من أتى بعده فإنما هو عيال عليه، أو مقتد به، ومسترشد بطريقته؛
رحم الله الجميع.].
قال ابن الجزري: ولد سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة؛ قال: وابتدأت بطلب
العلم في سنة ست وثمانين [أي كان عمره 15سنة]، ورحلت إلى المشرق
سنة سبع وتسعين [أي 26سنة من عمره]، ودخلت مصر في شوال منها، فمكثت
بها سنة، وحججت، ودخلت الأندلس في ذي القعدة سنة تسع وتسعين
[27سنة]، وخرجت إلى الثغر سنة ثلاث وأربعمائة [32سنة]، فسكنتُ
سرقسطة سبعة أعوام، ثم رجعت إلى قرطبة، قال: وقدمت دانية سنة سبع
عشرة [46سنة]، فاستوطنها حتى مات [معروف أنه مات سنة444 أي
عمره73سنة]
شيوخه:
لا تجد بارزا من أهل الفضل والعلم ممن كثر تطوافه في البلاد، وجاب
الشرق والغرب إلا ذا مشايخ وتلاميذ كثر، ومن اطلع على مرويات
الداني في كتبه علم كثرة مشايخه، رحمه الله تعالى.
وأنا أذكر بعض الذين اشتهروا من مشايخه؛ وبعضهم بل الكثير منهم لا
تزال أسانيد القراءة حافلة بذكر اسمه رحمهم الله تعالى:
- خلف بن إبراهيم بن محمد بن جعفر بن حمدان بن خاقان، أبو القاسم
المصري الخاقاني، الأستاذ الضابط في قراءة ورش وغيرها، وعليه
اعتماده في قراءة ورش، كان ضابطا لقراءة ورش متقنا لها مجودا،
مشهورا بالفضل والنسك، واسع الرواية صادق اللهجة, مات بمصر سنة 402
رحمه الله [الغاية 1 /271].
- طاهر بن عبد المنعم بن غلبون، أبو الحسن الحلبي، نزيل مصر، أستاذ
عارف، وثقة ضابط، وحجة محرر؛ مؤلف (التذكرة في القراءات الثمان)؛
توفي بمصر لعشر مضين من شوال سنة تسع وثلاثمائة.[الغاية 1 /339].
- فارس بن أحمد بن موسى بن عمران، أبو الفتح الحمصي، نزيل مصر،
الأستاذ الكبير، الضابط الثقة، كان حافظا ضابطا حسن التأدية، فهما
بعلم صناعته، واتساع روايته، مع ظهور نسكه وفضله، وصدق لهجته، توفي
بمصر سنة إحدى وأربعمائة [الغاية 2 /6]؛ وقد أخذ عنه فأكثر.
- عبيد الله بن سلمة بن حزم، أبو مروان اليحصبي الأندلسي، المكتب
(كذا) مقرئ صدوق، قرأ عليه أبو عمرو وكتب عنه؛ وقال: وهو الذي
علمني عامة القرآن، وكان خيِّرا فاضلا صدوقا، وتوفي في الفتنة بثغر
الأندلس سنة خمس وأربعمائة [الغاية 1 /487].
ذكرت هؤلاء لشهرتهم وإمامتهم وغير هؤلاء كثير رحمهم الله، أذكر
منهم بإيجاز:
- عبد العزيز بن جعفر بن خواستي الفارسي.
- أبو الفرج محمد بن عبد الله النجاد.
- محمد بن يوسف، خال أبي عمرو الداني ويعرف بالنجاد أيضا
- عبد الله بن أبي عبد الرحمٰن المصاحفي.
- أبو مسلم محمد بن أحمد الكاتب، سمع منه كتاب السبعة لابن مجاهد.
- أحمد بن عمر بن محفوظ.
- محمد بن عبد الواحد البغدادي.
- الحسن بن سليمان الأنطاكي.
- الحسن بن محمد بن إبراهيم البغدادي.
ورجل في شهرة أبي عمرو (رحمه الله) لا شك أن تلاميذه كثر، مع أنه
تفرغ للتعليم والتدريس في قرطبة ودانية أكثر من أربعين عاما.
وأبرز تلميذ له كان قد بلغ مبلغه هو:
- الإمام أبو داود سليمان بن أبي القاسم نجاح الأموي، مولى المؤيد
بالله بن المستنصر بالله، شيخ القراء، وإمام الإقراء، أخذ عن أبي
عمرو ولازمه كثيرا، وسمع منه غالب مصنفاته، وأخذ عنه مؤلفاته في
القراءات، وهو أجلّ أصحابه، ولد سنة ثلاث عشرة وأربعمائة.
له كتاب "البيان الجامع لعلوم القرآن"، ثلاثمائة جزء؛ وكتاب
"التبيين لهجاء التنزيل"، وهو أنفس ما كتب في الفن، طبع مختصره
مؤخرا بمجمع الملك فهد، بتحقيق الشيخ أحمد شرشال الجزائري.
توفي أبو داود بـ"بلنسية" سنة ست وتسعين وأربعمائة في شهر رمضان
منها.
ومن تلاميذ أبي عمرو الداني أيضا:
- أبو إسحاق إبراهيم بن علي الفيسولي.
- والحسين بن علي بن مبشر.
- وخلف بن إبراهيم الطليطلي.
- وخلف بن محمد الأنصاري.
- وأحمد بن عثمان الداني أي ابنه (رحمه الله).
مآثره:
قال ابن بشكوال:
كان أحدَ الأئمة في علم القرآن ورواياته وتفسيره ومعانيه وطرقه
وإعرابه وأسماء رجاله ونقلته، وكان حسنَ الخطّ، جيِّد الضبط، من
أهل الحفظ والذكاء والتفنن، ديّنا ورِعا سُنيّا.
وقال المغامي:
كان أبو عمرو مجابَ الدعوة، مالكيَ المذهب، كان يقول (رحمه الله):
ما رأيت شيئا إلا كتبته، ولا كتبته إلا حفظته، ولا حفظته فنسيته؛
وكان يسأل عن المسألة مما يتعلق بالآثار وكلام السلف، فيوردها
بجميع ما فيها، مسندة من شيوخه إلى قائلها.
قال ابن الجزري:
ومن نظر في كتبه علم مقدار الرجل، وما وهبه الله تعالى فيه، فسبحان
الفتّاح العليم، ولا سيما كتاب جامع البيان.
مؤلفاته:
له مؤلفات متعددة في القراءات وغيرها من العلوم ونذكر منها:
- جامع البيان: وضع فيه كل ما يعلمه عن القراءات السبع.
- المفردات: أفرد فيه لكل قراءة من السبع جزءا ذكر فيه أصولها
وفرشها.
- الإمالات أورد فيه كل ما تميله القُرَّاء أصلا وفرشا.
- التيسير كتاب مختصر في القراءات السبع، وهو العمدة عند من جاء
بعده، إذ نظمه الشاطبي في قصيدته حرز الأماني ووجه التهاني، فطار
بها الناس، وعامتهم يقرأون اليوم من طريقه.
- المقنع في رسم المصاحف.
- الكافي في الوقف والابتداء.
- وله الأرجوزة المنبهة في معتقد أهل السنة والجماعة.
- وكذا كتاب الفتن والملاحم؛ وغيرها كثير...
وهذه الكتب المذكورة مطبوعة متداولة.
وفاته:
توفي الإمام أبو عمرو (رحمه الله) بـ"دانية" يوم الإثنين، منتصف
شوال سنة أربع وأربعين وأربعمائة (444)؛ ودفن من يومه بعد العصر،
ومشى صاحب "دانية" أمام نعشه، وشيعه خلق عظيم (رحمه الله تعالى).
ثانيا: الكتاب:
هذا الكتاب ليس جزءا مفصولا، ولا مؤلفا خاصا، وإنما هو فصل من باب
في كتاب الإمام الداني: (جامع البيان) السالف الذكر.
عنوانه: (باب ذكر الخبر الوارد عن النبي
صلى الله عليه وسلم
بأن القرآن أنزل على سبعة أحرف وبيان ما ينطوي عليه من المعاني
ويشتمل عليه من الوجوه).
قال في آخره:
قال أبو عمرو: وجملة ما نعتقد من هذا الباب وغيره ... الخ.
فقولنا في أول الحديث (كتاب
ما ينبغي اعتقاده في الأحرف والقراءات وتاريخ المصحف)
تجوّز، إذ ليس هو من وضع المؤلف، ولا من وضعنا، ولكن هو صنيع بعض
المحققين للكتاب.
وقد رأى هذا المحقق فصل هذا البحث، -أعني البحث المتعلق بالأحرف
السبعة- وجعله في كتاب مستقل، وسماه (الأحرف
السبعة لأبي عمرو الداني)؛
ووضع على فصوله عناوين، كان من جملتها هذا العنوان، وقد بدا لي أنه
أحسن الاختيار بعض الشيء فتركته على ما يهواه؛ والله الموفق.
*****
فهذه حلقة في سلسلة شرحنا على كتاب الإمام أبي عمرو الداني:(
ما ينبغي اعتقاده في الأحرف والقراءات وتاريخ المصحف)،
أخّرنا عن إكماله ظروف خاصة، وها نحن نعود إليه متوكلين على الله،
آملين أن ينفعنا به وإخواننا في الدين.
ومنهجي في ذلك، أن أذكر فقرة من كلام المؤلف أولا، رامزا لها بحرف:
م، ثم أتبعها بما يسر الله من توضيح واستدلال، مشيرا إليه بحرف ش؛
والله الهادي لا رب سواه.
قال الإمام أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني الأموي مولاهم (رحمه
الله)، في كتابه جامع البيان، في باب ذكر الخبر الوارد عن النبي
صلى الله عليه وسلم بأن القرآن أنزل على سبعة أحرف، وبيان ما ينطوي
عليه من المعاني، ويشتمل عليه من الوجوه:
م: قال أبو عمرو: وجملة ما نعتقد من هذا الباب وغيره، من إنزال
القرآن وكتابته، وجمعه وتأليفه، وقراءته ووجوهه، ونذهب إليه
ونختاره ...
ش:
العقد: الجمع بين أطراف الشيء؛ ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة،
كعقد الحبل، وعقد البناء، ويستعار ذلك للمعاني، نحو: عقد البيع
والعهد، وغيرهما. [المفردات 344].
فإذا اعتقد الإنسان شيئا، فكأنما عقد قلبه عليه، فاحتواه فلا يخرج
منه؛ ولذلك تسمى أمور الإيمان عقائد، لأنها مما يعقد عليه القلب.
والشيخ أبو عمرو يريد بيان ما يؤمن به المسلم في أمور متعلقة بكتاب
ربنا الكريم، لا من حيث علاقته بالله عز وجل، إذ هو كلام الله،
تكلم به حقيقة بحرف وصوت، منه بدأ وإليه يعود؛ فهذا مما تناولته
كتب العقائد والأحكام، لا كتب القراءات وعلوم القرآن؛ وإنما كلامه
متعلق بتاريخ القرآن، وطريقة نزوله ووصوله إلينا، واختلاف ألفاظه
وقراءاته، وكيفية تدوينه.
فهذه القضايا التي ستتم معالجتها في هذا المتن وشرحه بإذن الله
تعالى:
1-
نزول القرآن على سبعة أحرف.
2-
كتابة القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة وكيفية
جمعه.
3-
وجه اختلاف القراء والقراءات ومعناه.
طبعا، هذه المسائل أخذت جدلا كبيرا، واستنزفت جهودا عظيمة من أهل
العلم، لكن الإمام أبا عمرو يريد أن يأخذ بنا إلى ما هو أقرب -في
نظره- إلى الصواب، مما يدل عليه السنة والكتاب، وأنا بدوري سألج
معه هذا الباب، فإن وفقت فمن الوهاب، وإن كان خرقا فالله يعفو
ويصفح عمن تاب. وبالله التوفيق.
قال (رحمه الله تعالى):
م: ... أن هذا القرآن منزل على سبعة أحرف كلها كاف شاف وحق وصواب.
ش:
دليل ذلك حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((أنزل هذا
القرآن على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه)). [رواه البخاري
ومسلم].
وهو حديث متواتر رواه جملة من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله
وسلم منهم: عمر بن الخطاب، وأبي بن كعب، وحذيفة بن اليمان، وأم
أيوب، وهي امرأة أبي أيوب الأنصاري، وسمرة، وابن عباس، وأبو هريرة،
وأبو جهيم بن الحارث بن الصمة، وعمرو بن العاص، وأبو بكرة، رضي
الله عنهم أجمعين.[سنن الترمذي 657].
وبين ألفاظهم تباين، يدل على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
حدث به كثيرا، وفي مواطن مختلفة.
منها قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
((أتاني جبريل، فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف،
فقلت: أسأل الله معافاته ومغفرته، فإن أمتي لا تطيق ذلك؛ ثم أتاني
الثانية، فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين،
فقلت: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك؛ ثم جاءني
الثالثة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف،
فقلت: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك؛ ثم جاءني
الرابعة، فقال: إن الله عز وجل يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة
أحرف، فأيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا.)) رواه مسلم عن أبي بن
كعب.
وفي رواية: ((أتاني جبريل وميكائيل، فقعد جبريل عن يميني، وميكائيل
عن يساري؛ فقال جبريل: يا محمد، اقرإ القرآن على حرف، فقال ميكائيل
استزده، فقلت: زدني؛ فقال: اقرأه على ثلاثة أجرف، فقال ميكائيل:
استزده، فقلت: زدني؛ كذلك حتى بلغ سبعة أحرف، فقال: اقرأه على سبعة
أحرف، كلها شاف كاف)). [صحيح الجامع (78)].
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم:
((أقرأني جبريل القرآن على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده فيزيدني،
حتى انتهى الى سبعة أحرف)). [صحيح الجامع 1162]
ومنها قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
((اقرأو القرآن على سبعة أحرف، فأيما قرأتم أصبتم؛ ولا تمَاروا
فيه، فإن المراء فيه كفر)). [الصحيحة 1522]، [صحيح الجامع 1163].
ومنها قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
((أنزل القرٍٍآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف، كلها شاف كاف)).
[الصحيحة 843]،[صحيح الجامع1496].
ومنها قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
((إن ربي أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه أن هون على
أمتى؛ فأرسل إلي أن اقرأه على حرفين، فرددت إليه أن هون على أمتي؛
فأرسل إليّ أن اقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردة مسألة تسألنيها،
قلت: اللهم اغفر لأمتي, اللهم اغفر لأمتي؛ وأخرت الثالثة إلى يوم
يرغب إليّ فيه الخلق، حتى إبراهيم.)). [صحيح الجامع2071].
وغيرها من الروايات الصحيحة عن الصحابة الأجلاء رضي الله تعالى
عنهم.
وأما قول المؤلف "وحق وصواب": "فمعناه أن كل حرف من الأحرف التي
أنزل عليها القرآن كالآخر في كونه كلام الله تعالى الذي تكلم به،
وأنزله على رسوله، وأن الله سبحانه قد جعل فيه جميع ما جعل في غيره
منها، من أنه مبارك، وأنه شفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة
للمؤمنين، وأنه عربي مبين، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا
من خلفه؛ وأن قارئه يصيب على أحد الأحرف السبعة من الثواب على
قراءته ما يصيب القارئ على غيره منها؛ وكذا قوله صلى الله عليه
وسلم: ((كلها شاف كاف))، أي يشفي من التمس علمه وحكمته، ويكفي من
التمس بتلاوته الفضيلة والثواب, كما يشفي ويكفي غيرُه من سائر
الأحرف لما فيه.اهـ)) [جامع البيان 33]
قال رحمه الله تعالى:
م: وأن الله قد خير القراء في جميعها وصوبهم إذا قرأوا بشيء منها.
ش:
المقصود من هذا الكلام كما سبق في النقل عن المؤلف: أن هذه الأحرف
السبعة متساوية في الفضل، والأجر، والمعنى؛ فيجزئ الواحد منها، بل
يكفي ويشفي، سواء الشفاء المقصود به حصول العلم والهدى، وانتفاء
الجهل والضلال، أو المقصود به ذهاب الأسقام والآلام بالإستطباب
بكتاب الله سبحانه وتعالى.
فلما كان يغني بعضها عن بعض، ويجزئ أحدها عن الآخر، لم يكن لأحد أن
يُلزم غيره بحرف منها، أو يفرضه عليه، أو ينكره، وقد أنكر النبي
صلى الله عليه وسلم المراء في القرآن، كما في حديث عمرو بن العاص
السابق بيانه، وكما في حديث أبي جهم رضي الله عنه: ((القرآن يُقرأ
على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن، فإن مراء في القرآن كفر)).
[صحيح الجامع4444]
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ((مررت بهشام بن حكيم بن حزام
وهو يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا
هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقرئنيها رسول الله صلى الله عليه
وسلم؛ فكدت أساوره في الصلاة، فنظرته حتى سلم، فلما سلم لبّبته
بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها، فقال:
أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال قلت له: كذبت، والله
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهو أقرأني هذه السورة التي
تقرؤها؛ فانطلقت أقوده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا
رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها،
وأنت أقرأتني سورة الفرقان؛ فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله
وسلم: أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام؛ فقرأ عليه القراءة التي سمعت،
فقال: هكذا أنزلت؛ ثم قال لي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
اقرأ يا عمر، فقرأت بالقراءة التي أقرأني النبي صلى الله عليه وعلى
آله وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هكذا أنزلت؛ ثم
قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن هذا القرآن أنزل على
سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه)). [رواه الترمذي]، [صحيح
أبي داود1325].
فأنت ترى أن الرجلين القرشيين قرءا سورة واحدة، بحضرته صلى الله
عليه وعلى آله وسلم، على أحرف مختلفة، فصوّب النبي صلى الله عليه
وعلى آله وسلم فِعلهما، وأقرّ كلا منهما على طريقته وحرفه، بل هو
صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي علمهما الطريقتين مختلفتين، ولو
شاء -فداه أبي وأمي- لعلّمهما بحرف واحد، ولم يحَدث بينهما الخلاف؛
وهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يأمر أحدا منهما أن يميل إلى
حرف الآخر، بل قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((فاقرءوا ماتيسر
منه))، أي كل مصيب، ولكل أن يختار ما يشاء من هذه الأحرف، فيقرأ
بها، ولا يلزمه أن يقرأ ولا حتى أن يعرف الحرف الآخر؛ وهو نفس
الأمر الواقع في زماننا، فلا يقول أحد إن رواية ورش أفضل، أو حفص
أو غيرهما، من حيث أنها كلها من عند الله،
فمن قرأ بأي منها فقد قرأ القرآن الذي أنزله الله تبارك وتعالى.
ونسبة المؤلف التخيير إلى الله عز وجل أمر بيّن لا يحتاج إلى كثرة
توضيح، إذ اختلاف أحرف القرآن من عند الله، لا من عند رسوله صلى
الله عليه وعلى آله وسلم، وهو المبلغ عن الله ((من يطع الرسول فقد
أطاع الله)) والله أعلم.
قال (رحمه الله تعالى):
م: وأن هذه الأحرف السبعة المختلف معانيها تارة، وألفاظها تارة مع
اتفاق المعنى، ليس فيها تضاد، ولا تناف للمعنى، ولا إحالة، ولا
فساد.
ش:
عند تقرير مسائل الاعتقاد يجنح أهل العلم إلى عدم إيراد مسائل
الخلاف، وهو الذي فعله هنا المؤلف (رحمه الله تعالى)، غير ملزم
بذلك القارئين أن يذهبوا مذهبه، أو يعتقدوا رأيه.
ومعنى الحرف -في هذا المقام- مسألةٌ أشكلت على العلماء قديما
وحديثا، ولم يُبت فيها إلى اليوم، وليس لأحد أن يفعل إلا بحجة
دامغة، وهيهات المنال.
قال القرطبيّ: "واختلف في المراد بالسبعة الأحرف على أقوال عديدة،
جماعها خمسة وثلاثون قولا، ذكرها محمد بن حبّان البستي. اهـ"
[تفسير القرطبي 1/42].
وذكر السيوطي في الإتقان أكثر من أربعين قولا، يمكن ضم بعضها إلى
بعض.
وقبل أن نخوض في عبارة المؤلف الآنفة، علينا أن نقرب الفهم لمعنى
الحرف، ونبين من خلال ذلك رأي المؤلف، الذي تنبني عليه هذه الجملة
التي نريد شرحها. فأقول:
الحرف في اللغة: مشترك لفظي بين عدة معان، فهو يطلق على طرف الشيء
وحدّه، وعلى أعلى الجبل، وعلى الناقة الضامرة، وعلى الوجه، كقوله
تعالى: ((ومن الناس من يعبد الله على حرف)) أي على وجه النعمة
والخير فقط، فإذا أصابته المصيبة نكص؛ وعند النحاة يطلق على ما ليس
باسم ولا فعل.
وأما في الاصطلاح: فقد ذكرنا أن الأقوال تضاربت وناهزت الأربعين،
ونحن هنا نختار أقربها وأشهرها وأولاها بالذكر:
القول الأول:
أنها سبع لغات من لغات العرب، ثم اختلفوا في تحديدها، مع اتفاقهم
على بعضها، وأهمها قريش لأنه نزل على لسانها.
القول الثاني:
أن كل كلمة من المختلف فيه تقرأ على سبعة احتمالات، أو يرد فيها
الخلاف ولا يتجاوز السبعة.
القول الثالث:
أنها سبعة أوجه من التغاير والاختلاف، ثم اختلفوا أيضا في تعيينها.
القول الرابع:
أنها سبعة أصناف، اختلفوا في تحديدها فمنهم من قال حلال وحرام
وأمثال ومواعظ ووعد ووعيد واحتجاج؛ وغيرها.
والملاحظ أن هذه الأقوال نفسها تتضمن أقوالا كثيرة ولسنا في صدد
الاستدلال لجميعها أو سردها.
وهنا أورد مقالة المؤلف رحمه الله في تعريف الحرف وهي لا تخرج عن
هذه الأقوال:
قال في جامع البيان ص23:
"فأما معنى الأحرف التي أرادها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
فإنه يتوجه إلى وجهين، أحدهما: أن يكون يعني يذكر (كذا) أن القرآن
أنزل على سبعة أوجه من اللغات، ... والحرف قد يراد به الوجه بدليل
قوله تعالى ((ومن الناس من يعبد الله على حرف)) أي على وجه؛ ...
والوجه الثاني من معنى الأحرف: أن يكون سمى القراءات أحرفا على
طريق السّعة، كنحو ما جرت عليه عادة العرب في تسميتهم الشيء باسم
ما منه، وما قاربه وجاوره، وكان كسبب منه وتعلق به ضربا من التعلق،
وتسميتهم الجملة باسم البعض منها. " اهـ.
فنرى أن وجهي تفسيره للحرف يتضمنهما القولان الأول والثاني اللذان
ذكرناهما قريبا.
إذا تبين هذا الأمر، فإن مقصود المؤلف من قوله: "وأن هذه الأحرف
السبعة المختلف معانيها تارة وألفاظها تارة مع اتفاق المعنى ..."،
يبينه قوله (رحمه الله) في جامع البيان ص30:
"وأما على كم معنى يشتمل اختلاف هذه السبعة أحرف، فإنه يشتمل على
ثلاثة معان يحيط بها كلها؛ أحدها:
اختلاف اللفظ والمعنى واحد.
والثاني:
اختلاف اللفظ والمعنى جميعا، مع جواز أن يجتمعا في شيء واحد، لعدم
تضاد اجتماعهما فيه.
والثالث:
اختلاف اللفظ والمعنى، مع امتناع جواز أن يجتمعا في شيء واحد
لاستحالة اجتماعهما فيه. "اهـ.
إن النصوص التي وردت إلينا عن المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم
تقطع بلا شك أن الخلاف بين الأحرف لفظي بالدرجة الأولى، إذ لولا
ذاك ما كان هناك إنكار من عمر ولا أبيّ ولا عمرو ولا أبي جهيم رضي
الله عنهم على من أنكروا عليهم، حتى احتكموا إلى النبي صلى الله
عليه وعلى آله وسلم.
واختلاف الألفاظ إما أن يؤدي نفس المعنى، وإما أن لا يفعل؛ فنكون
هنا بين أربع احتمالات: أن تختلف الألفاظ والمعاني، أو تختلف
الألفاظ دون المعاني أو تتفق الألفاظ والمعاني، أو تتفق الألفاظ
دون المعاني.
فالحالة الأخيرة مستحيلة عقلا، والثالثة ليست بشيء إذ لا خلاف
فيها.
فيبقى عندنا الحالتان الأوليان، وهما اللتان ذكرهما في المتن.
ففي الحالة الأولى منهما، وهي اختلاف اللفظ والمعنى: فإما أن يكون
المعنيان المختلفان يرجعان إلى نفس الشيء، كأن يكونا صفتين لنفس
الموصوف، أو يكونا راجعين إلى شيئين مختلفين تماما؛ فتصير هنا
عندنا ثلاث حالات من الاحتمالات، وهي التي ذكرها المصنف في النص
الذي نقلناه عنه آنفا.
وزيادة للبيان أورد بعض الأمثلة التي أوردها هو نفسه (رحمه الله)
مستدلا بها على صحة كلامه، قال (رحمه الله تعالى) في جامع البيان
ص30-31:
"فأما اختلاف اللفظ والمعنى واحد: فنحو قوله (السراط) بالسين
و(الصراط) بالصاد و(الزراط) بالزاي؛ ... وكذلك ما أشبهه؛ ونحو ذلك
البيان [وهو الإظهار] والإدغام، والمد والقصر، والفتح والإمالة،
وتحقيق الهمز وتخفيفه؛ وشبهه مما يطلق عليه أنه لغات فقط.
وأما اختلاف اللفظ والمعنى جميعا، مع جواز اجتماع القراءتين في شيء
واحد، من أجل عدم تضاد اجتماعهما فيه: نحو قوله تعالى: (مالك يوم
الدين) بألف و(ملك) بغير ألف، لأن المراد بهاتين القراءتين جميعا
هو الله سبحانه وتعالى، فقد اجتمع له الوصفان جميعا، فأخبر بذلك في
القراءاتين ... .
وأما اختلاف اللفظ والمعنى جميعا، مع امتناع جواز اجتماعهما في شيء
واحد، لاستحالة اجتماعهما فيه: فكقراءة من قرأ (وَظَنُّوا
أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُواْ) بالتشديد، لأن المعنى: "وتيقن الرسل أن
قومهم قد كذّبوهم"، وقراءة من قرأ (قَدْ كُذِبُواْ) بالتخفيف، لأن
المعنى: وتوهم الْمُرسل إليهم أن الرسل قد كَذَبوهم فيما أخبروهم
به، من أنهم إن لم يؤمنوا بهم نزل العذاب بهم؛ فالظن في القراءة
الأولى يقين، والضمير الأول للمرسل إليهم؛ والظن في القراءة
الثانية شك، والضمير الأول للمرسل إليهم، والثاني للرسل، ... .
وكذلك ما ورد من هذا النوع من اختلاف القراءتين التي لا يصح أن
يجتمعا في شيء واحد هذا سبيله، لأن كل قراءة منهما بمنزلة آية
قائمة بنفسها، لا يصح أن يجتمع مع آية أخرى فخالفها في شيء واحد
لتضادهما وتنافيهما." اهـ.
والفائدة من هذا التقسيم، العلم بمدى تأثر المعاني بالألفاظ، فإن
بعض ما يظهر الترادف بينه من ألفاظ يكون دقيق الفرق، حتى إنه
ليصيرّ المعاني متناقضة أحيانا، خاصة إذا كثر وجود هذا الضرب من
الاختلاف؛ ورغم كل ذلك، فإن كتاب الله عز وجل -مع هذه الكثرة
الموجودة فيه، والطول الذي به، فهو أكثر من ستة آلاف آية متفاوتة
الطول- تنزه عن التضاد والفساد، وإحالة المعاني وتنافيها؛ فسبحان
قائله؛ لو كان على حرفين فقط لأعجر، فكيف بها سبعة؟ ((وَلَوْ كَانَ
مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً
كَثِيراً)).
والشاهد من هذا كله، أن هذه الأحرف متساوية في كونها كلام الله،
منه بدأت وإليه تعود، بأيها قرأ الإنسان كان مصيبا حكم الله
ومراده؛ والله يوفقنا لكل خير.
*****
الحلقة الثالثة
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله
وصحبه ومن اتبع هداه.
أما بعد:
فهذه هي الحلقة الثالثة من
شرحنا على كتاب الداني
(ما ينبغي اعتقاده في الأحرف والقراءات وتاريخ المصحف)
نظهرها اليوم، سائلين الله تعالى أن يوفقنا لإكمال الشرح وإتمامه.
وقبل بدء الشرح أذكّر إخواني أن العلم غير محدود، والأقوال فيه
كثيرة، وتضاربها لا يعني التشنيع والتشهير، والتقصير حاصل وأكيد؛
فنسأل الله أن يجنّبنا الهوى ومضلات الفتن.
قال الإمام أبو عمرو الداني (رحمه الله تعالى) في كتابه جامع
البيان، في باب ذكر الخبر الوارد عن النبي (صلى الله عليه وسلم)
بأن القرآن أنزل على سبعة أحرف، وبيان ما ينطوي عليه من المعاني،
ويشتمل عليه من الوجوه:
م: وأن جميع هذه السبعة أحرف قد كانت ظهرت واستفاضت عن رسول الله
(صلى الله عليه وسلم)، وضبطتها الأمة على اختلافها عنه، وتلقتها
منه، ولم يكن شيء منها مشكوكا فيه، ولامرتا به.
ش:
هذه الجملة تقف في صحتها على ثبوت أمرين مهمين:
أولهما:
ثبوت تبليغ النبي (صلى الله عليه وسلم) لكلام رب العالمين على جميع
الأحرف.
والآخر: ثبوت المحافظة من هذه الأمة على جميع الأحرف التي تلقتها
عنه (صلى الله عليه وسلم) عبر الأجيال.
أما الأول فنقول من أجله:
إن النبي (صلى الله عليه وسلم) بُعث مبشراً مبلغاً عن الله تبارك
وتعالى، بل جاءه الأمر صريحا من رب العالمين، مع شدة التحذير، إذ
قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ
تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالاَتِِهِ﴾[المائدة 67]
وما كان الله لينزل بعد هذه الآية قوله:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ﴾[المائدة 3] لو لم يحصل البلاغ التام منه (صلى
الله عليه وسلم).
روى البخاري عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: «من حدثك أن محمدا كتم
شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب وهو يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا
أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾».
وعن ابن عباس (رضي الله عنهما): «أن رجلا جاءه فسأله: إن أناسا
يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئا لم يبده رسول الله (صلى الله عليه
وسلم) للناس، فقال ابن عباس: ألم تعلم أن الله تعالى قال:
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾؛
والله ما ورّثنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سوداء في بيضاء».
رواه بن أبي حاتم وقال ابن كثير في التفسير (2/609) وهذا إسناد
جيد.
فمن هنا نقول: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يكن ليكتم شيئا من
علم علمه الله إياه، أو وحي أوحى الله إليه به؛ بل إنه عليه الصلاة
والسلام الصادق الأمين، أمين الله على وحيه، بلغه بأكمل الوجوه،
وشهد له سبحانه بقوله: ﴿الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾؛ وشهدت له أمته كذلك، كما ثبت
في صحيح مسلم عن جابر (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه
وسلم) قال في خطبته يوم عرفة: «أيها الناس إنكم مسؤلون عني، فما
أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت».
فال البخاري: قال الزهري: ((وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة،
وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة
الوداع، وقد كان هنالك من أصحابه نحو من أربعين ألفا)).(ابن
كثير2/609).
فإذا تقرر هذا، وأن كل شاردة وواردة لم يترك النبي (صلى الله عليه
وسلم) إبلاغها من دين الله، عُلم أن الأحرف السبعة التي تنزّل
عليها القرآن بلغها جميعها، لم يترك منها وجها ولا حرفا، (صلى الله
عليه وسلم). ويعضد ذلك ما ذكرناه سابقا في حديث عمر واختلافه مع
هشام بن حكيم (رضي الله عنهم) في قراءة سورة الفرقان، وذكر كل واحد
منها أنه تعلمها من النبي (صلى الله عليه وسلم)، فلا مجال لزيادة
البيان والاستدلال بعد هذا.
أما الثاني من الأمرين،
فهو الذي عليه مدار الكلام.
لا شك أن هذه الأمة هي أكمل الأمم وأفضلها، وأتقاها لله؛ فهي أمة
مصطفاة مختارة رائدة؛ أثنى الله عليها في كتابه فقال:
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ﴾[آل عمران : 110]؛ وهذه الخيرية لا تحصل مع
التفريط في العلم والعمل، بل لا تقوم إلا بهما؛ والعلمُ أصله
القرآن؛ فلا بد أن تكون قد اعتنت به اعتناءً عظيما، فنقلته بثقة
وأمانة، بعد استمداد العون من عند الله عزوجل، الذي ضمن له الحفظ
على أيديها، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ
نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر : 9].
وانظر رحمك الله إليها وهي تبذل النفس والنفيس في حفظ علومه، من
علوم عربية، وتفسير، وحديث؛ نقلت كلام الرجال لأجل القرآن، بل روت
كل ما تظن أنه ينفعها في حفظ كتابها علما وفهما وعملا، فكيف لا
تعتني بالقرآن نفسه، وحروفِه التي نزل بها؛ إن هذا لمحال في حقها،
بل في حق الله تعالى، إذ كيف يرضى الله تعالى عن أمة تضيع بعض
القرآن، هذا من المحال أيضا؛ فلا مناص من الحكم بأن هذه الأحرف قد
حُفظت على عهد الرسول (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) وبعده، لكي
تتم لهذه الأمة الخيرية المطلقة الموعودة بها.
لكنّ ههنا إشكالا يؤخذ على هذا الكلام.
لم تزل مسألة الحروف مشكَلة؛ وإنّ فيما تتداوله كتب القراءات أن
هناك مما كان يقرأ به بعض الصحابة بعد موت النبي (صلى الله عليه
وعلى آله وسلم) لم يعد اليوم معترفا به، بل قبل اليوم، فإن كان هذا
صحيحا فقد فرطت الأمة، أو كذب أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وعلى
آله وسلم) وحاشاهم، بل رضي الله عنهم وأرضاهم؛ والأمثلة على ذلك
كثيرة، وخذ عبد الله بن مسعود مثلا، فقد ثبت عنه حروف ليس يقرأ
اليوم بها أحد، اللهم إلا أنها في الكتب.
فالجواب أن نقول: ليس هو ذا ولا ذاك؛ أي أن الأمة لم تفرط في نقل
كتاب ربها، ولا أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم)
أخطأوا عليه، بلْه أن يكذبوا؛ وإنما نقلوا ما سمعوا بأمانة تامة،
وكان النقل صحيحا تاما بمجموعهم لجميع الأحرف السبعة؛ وليس لنا أن
نسبق الحدث، فإن الكلام عن كيفية نقل الصحابة للقرآن سيأتي فيما
بقي من شرح، إلا أن هناك نقطة لا بد من بيانها:
وهي أن الصحابة لم يُعلم بينهم اختلاف في أحرف القرآن إلا عند جمع
عثمان بن عفان (رضي الله عنه) للمصحف، ولقد كان جَمعُه مصلحة
للمسلمين طبعا؛ لكن، هل أودع عثمان (رضي الله عنه) جميع الأحرف
السبعة في مصحفه، أم أنه اقتصر على بعضها؟
إن كان الأول، حُل المشكل، لكنه محجوج بوجود أحرف صح نقلها عن
النبي (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) ليست فيه، فهي من الأحرف
السبعة التي لا يقرأ بها.
وإن كان الثاني، عدنا إلى الإشكال مجددا، وحله يأتي عند شرح الفقرة
القادمة.
بقي أن نقول عن ظهور هذه الأحرف زمانه (صلى الله عليه وعلى آله
وسلم) واستفاضتِها، وأنها لم تكن بالأمر المشكوك فيه، ولا المرتاب،
إنه أمر واضح؛ ويكفي دليلا عليه اختلاف القرشيَّين عمر وهشام في
قراءتيهما، ودونك قصة أُوردها عن أبيّ بن كعب في ذهاب وسواسه وشكه
في القرآن، واندفاع الارتياب عنه في مسألة الأحرف.
قال (رضي الله عنه): «كنت في المسجد فدخل رجل يصلي، فقرأ قراءة
أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضيت
الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم)،
فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة
صاحبه؛ فأمرهما رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) فقرآ
فحسّن النبي (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) شأنهما، فسقط في نفسي
من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله (صلى الله
عليه وعلى آله وسلم) ما قد غشيني، ضرب في صدري، ففضت عرقا، وكأني
أنظر إلى الله (عز وجل) فرقا، فقال لي: ...» الحديث.رواه مسلم.
وفي رواية لأحمد (5/114) قال: «فضرب النبي (صلى الله عليه وعلى آله
وسلم) بيده في صدري، ثم قال اللهم أذهب من أبيّ الشك، ففضت عرقا،
وامتلأ جوفي فرقا.»
رضي الله عن صحابة رسوله أجمعين، وأخزى شانئيهم يوم الدين.
قال (رحمه الله تعالى):
م: وأن أمير المؤمنين عثمان (رضي الله عنه) ومن بالحضرة من جميع
الصحابة قد أثبتوا جميع تلك الأحرف في المصاحف، وأخبروا بصحتها،
وأعلموا بصوابها، وخيروا الناس فيها، كما كان صنع رسول الله (صلى
الله عليه وعلى آله وسلم).
وأن من هذه الأحرف حرف أبي بن كعب، وحرف عبد الله بن مسعود، وحرف
زيد بن ثابت.
ش:
قد شرعنا في طرح إشكال هذه القضية وهي تحتمل ثلاثة احتمالات
إجمالا:
إما أن يكون المصحف كتب على حرف واحد من بين الأحرف السبعة لا
يحتمل غيره، أو على بعض منها، أو عليها كلها؛ وهي ثلاثة أقوال لأهل
العلم.
أمّا الأول فمذهب الطبري وأبي طاهر بن أبي هاشم والطحاوي وغيرهم؛
قال الطبري: ((لا قراءة اليوم للمسلمين إلا بالحرف الواحد الذي
اختاره له إمامهم الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الستة
الباقية)).
بل هو قول جمهور أهل العلم من السلف والأئمة، كما صرّح بذلك شيخ
الإسلام ابن تيمية [13/395 ،401]. وهذا حجر عثرة، إذ كيف لنا أن
نخالف هؤلاء والله المستعان.
والقول الثاني: هو قول ابن الجزري (رحمه الله تعالى) قال: ((وهو
الذي يظهر صوابه، لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة المستفيضة
تدل عليه)). [النشر1/31].
وأما القول الثالث: فقال شيخ الإسلام: ((وذهب طوائف من الفقهاء
والقراء وأهل الكلام إلى أن هذا المصحف مشتمل على الأحرف السبعة،
وقرر ذلك طوائف من أهل الكلام، كالقاضي أبي بكر الباقلاني وغيره،
بناء على أنه لا يجوز للأمة أن تهمل نقل شيء من الأحرف السبعة)).
[13/395، 396].
وبهذه الحجة يُعترض على القولين الأولين.
وأمّا هذا القول نفسه فقد قررنا بطلانه سابقا، لثبوت تخلف بعض
الأحرف عن المصحف، وإن شئنا التمثيل لهذا فلنأخذ مثلا: ((حافظوا
على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر))، ((وأتموا
الحج والعمرة للبيت))، ((الله لا
إله إلا هو الحي القيام)). ويكفينا تمثيلا القراءات الأربعة
الشاذة التي تواترت أسانيدها عند القراء.
والأظهر عندي -والعلم عند الله تعالى- أن القول الأول هو الأحظى
بالصواب، أي أن المصحف كتب على حرف واحد من الحروف السبعة.
فإن قيل أيها؟ قلنا الذي أجمع عليه الصحابة الكرام ممن تولوا ذلك،
ووافقهم عليه سائرهم، وعلى رأسهم الخليفة الراشد عثمان بن عفان؛
فهو إذن على قراءة زيد ومن معه، ودليل ذلك قول عبد الله بن مسعود
(رضي الله عنه).
عن أبي وائل قال خطبنا ابن مسعود (رضي الله عنه) على المنبر فقال:
«ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، غلوا مصاحفكم؛ وكيف يأمروني أن
أقرأ على قراءة زيد بن ثابت ... » الأثر. رواه ابن أبي داود في
المصاحف وصححه محققه الهلالي [ص180].
فإن قيل: لم كانت قراءة زيد وأصحابه ولم تكن قراءة غيرهم؟
قلنا: لأن قراءة زيد (رضي الله عنه) كانت العرضة الأخيرة التي
أسلفنا ذكرها، قال شيخ الإسلام: ((والعرضة الأخيرة هي قراءة زيد بن
ثابت وغيره، وهي التي أمر الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان
وعلي بكتابتها في المصاحف، وكتبها أبو بكر وعمر في خلافة أبي بكر
في صحف، أمر زيد بن ثابت بكتابتها، ثم أمر عثمان في خلافته
بكتابتها في المصاحف، وإرسالها إلى الأمصار، وجمع الناس عليها
باتفاق الصحابة علي وغيره)). [13/ 395].
فإن قيل فكيف بسائر الحروف؟
قلنا إن القراءة بجميع الحروف لم تكن واجبة على الأمة يوما ما،
وإنما كانت رخصة جائزة، بدليل قوله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم)
لجبريل: «إني بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز، والشيخ، والغلام،
والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط؛ قال: يا محمد، إن القرآن
أنزل على سبعة أحرف». رواه الترمذي.
وعلم ذلك أمير المؤمنين عثمان (رضي الله عنه) ورأى من المصلحة
العامة أن يجمعهم على خط حرف واحد، وأن سبب السعة التي كانت على
عهد رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) قد
تضاءل -ولا نقول زال-؛ ويمكن
للأمة أن تجتمع على هذا الخط مع حفاظها على لهجاتها من إمالات
ومدود وسائر الأوجه، وتتحد على خط الحرف الذي كتب عليه.
فإن قيل: هل القراءات التي يقرأ بها الناس هي من هذا الحرف الذي
كتبه عثمان؟
قلنا: هنا نقطة الخلاف بيننا وبين الطبري ومن وافق مذهبه، فلسنا
نقرر مقالته الآنفة الذكر: ((لا قراءة اليوم للمسلمين إلا بالحرف
الواحد...))؛ بل إننا نقول بما قال به الإمام مكي بن أبي طالب في
الإبانة: ((فالمصحف كتب على حرف واحد، خطه محتمل لأكثر من حرف، إذ
لم يكن منقوطا ولا مضبوطا)) [الإبانة 3، 4].
فما كان من الأحرف الستة الباقية موافقا خطه خط الحرف الأول جاز
الأخذ به، وما لم يوافق فإن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وعلى
آله وسلم) أجمعوا على اطِّراحه، واعتبار الحرف الذي كتب في المصحف،
حتى ابن مسعود وأبيّ بن كعب (رضي الله عنهما)، إذ أن قراءات اليوم
مروية عنهم.
قال مكي (رحمه الله) تبعا لقوله السابق: ((فذلك الاحتمال الذي
احتمل هو من الأحرف الستة الباقية)).
ومن الأدلة على هذا عندنا اختلاف المصاحف في بعض المواضع، ولعل ذلك
يدل على تقصدهم احتمال خطهم لبعض من سائر الأحرف الستة. والله
أعلم.
والجواب إذن: إن القراءات اليوم، بل القراءات التي كانت على عهد
الطبري -وهي أكثر من خمسين- ليست من حرف واحد، وإنما هي من الأحرف
السبعة كلها، لكن الصحيح منها الآن ما وافق خط المصحف ولو احتمالا
-كما هو مقرر-، مع الشرطين الآخرين طبعا.
إذن، وتلخيصا لما ذكرنا، فالقول الراجح إن شاء الله هو أن المصحف
محتمل للأحرف السبعة، لكن لما وافق منها الحرف الذي كتبه عليه
الصحابة؛ والقراءات المختلفة من العشرة المتواترة ليست هي على حرف
واحد؛ والله أعلم.
وبهذا يتبين خطأ الإمام الداني، إذ قرّر تبعا للباقلاني وغيره
القول الثالث الذي ذكرناه، والله الهادي إلى الصواب لا إله غيره
ولا قوة إلا به.
قال (رحمه الله تعالى):
م: وأن عثمان (رحمه الله تعالى) والجماعة إنما طرحوا حروفا وقراءات
باطلة غير معروفة ولا ثابتة؛ بل منقولة عن الرسول (صلى الله عليه
وعلى آله وسلم) نقل الأحاديث التي لا يجوز إثبات قرآن وقراءات بها.
ش:
هذه المسألة تقريرها مبني على ما سبق من الأقوال، وقد قررنا فيها
أن القرآن كتب في مصاحف عثمان على حرف واحد يحتمل بعضا من الأحرف
السبعة الباقية، إذ كانت الرخصة والسعة حاصلة دون وجود الخلاف بين
المسلمين؛ أما وإنه قد حصل الخلاف، بل وكفّر بعضهم ببعضا، فإن رفع
الرخصة لأجل جمع الشمل أولى؛ وهذا ما فعله الصحابة؛ فعلى هذا يظهر
خطأ الشيخ أبي عمرو (رحمه الله) في تقريره أن المطروح إنما كان
قراءات باطلة غير معروفة، بل إننا تقول إن القراءات المطروحة من
المصاحف كانت قراءات معروفة ثابتة الإسناد إلى النبي صلى الله عليه
وعلى آله وسلم صحيحة عنه، كيف لا وهي: أبيّ بن كعب عن النبي (صلى
الله عليه وعلى آله وسلم) وعبد الله بن مسعود عنه (صلى الله عليه
وعلى آله وسلم) فلا أدري لم يقطع الإمام أبو عمرو بمثل هذا، وهو
يتضمن من المخالفة ما هو واضح لأول نظرة، ولا شك أن ما لم يصح من
القراءات مطروح من باب أولى، إذا كان الصحيح الثابت صنع به ذلك وقد
أكثرنا التمثيل على قولنا فلا نرجع إليه. والله أعلم.
*****