|
|
|||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||
|
|
|
||||||||||||||
بسم الله الرحمٰن الرحيم من الآداب الإسلامية التي ينبغي على الوالدين خصوصا وعلى الكبار عموما؛ أن يعودوا الأطفال عليها: إلقاء السلام, والتحية بتحية الإسلام, ومن طرق تعويد الصغار على ذلك, وتعليمهم هذا الأدب, أن يُحَيِّيَ الكبارُ الصغارَ بهذه التحية الربَّانِيَّة, فَيَتَلَقَّى الصغارُ ذلك عن الكبار, وتجري ألسنَتُهْم وتَنْطَلِقُ بِهَا, ويُنَشَّؤُونَ عَلَيْهَا, وهم يسمعونها صباح مساء وفي كل ساعة وحين, يسمعونها من والديهم, يَسْمَعُونَهَا مِنَّا, فيأخذون هذا الأدب ويَتَخَلَّقُونَ بِهَذَا الخُلُق, عن طريق السَّمَاع وبِالاِقْتِدَاء, ويصير لهم طبعًا وسَجِيَّةً, من أجمل السَّجَايَا التي يُوَرِّثُهَا لَهُمْ آبَاؤُهُمْ والكبارُ من أهل حَيِّهِمْ!, وقد أرشدنا النبيُّ(صلى الله عليه وسلم) إلى هذه الطريقة؛ فقد روى البخاري في "الأدب المفرد"[رقم:796]؛ عن أنس بن مالك: أنه مرَّ على صبيانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ, وقال: كان النبي(صلى الله عليه وسلم)يَفْعَلُهُ بِهِمْ. وصحَّ عن أنس, قال: مرَّ علينا رسول الله ونحنُ صبيان, فقال:"السلامُ عَلَيْكُمْ يَا صِبْيَان!"["الصحيحة"رقم:2950)] فنلاحظُ من هذا الحديث: أن النبي(صلى الله عليه وسلم) كان يريدُ من (التسليم على الصبيان تعليمهم أهمية السلام), كما أنه(صلى الله عليه وسلم) كان يريدُ: (كسب مودتهم ومحبتهم, وهذا[لا شك]له تأثيره في الاقتداء بالمسلم)[شرح صحيح الأدب المفرد"(3/172)], فإذا أحب الصغير هذا الكبير, لما يرى من عِنَايَةِ الكبيرِ بِهِ!, ومن ذلك أَنَّهُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ, ويَخُصُّهُ بِالتَّحِيَّة, فلا شَكَّ أنه(أي: الصغير) مِنْ محبته لهذا, يصيرُ يقتدي بِهِ فِي فِعَالِ الخير والصلاح, يَصِيرُ يَرْقُبُهُ ويَتَتَبَّعُ مَا يفْعَلُ, لِيَفْعَلَهُُ!, هكذا! مُجَرَّدُ تَحِيَّة, ومُجَرَّدُ كَلِمَةٍ, يكونُ لَهَا هَذَا الموقعُ الحَسَنُ فِي قَلْبِ الصَّغِيرِ, وتكونُ سَبَبًا في تَوْجِيهِ حَيَاتِهِ, والتَّأْثِيرِ عَلَيْهِ فِي سُلُوكَاتِِهِ!, فما أعظم تربيةَ النَّبِيِّ(صلى الله عليه وسلم), وما أعظمَ عنايته(صلى الله عليه وسلم) بالصغار والناشئة؛ وهم رجالُ الغد!, فهذا- أيها المسلمون!- مَلْحَظٌ مُهِمٌّ للغاية!, لا ينبغي أن يغيبَ عن أذهاننا في تعاملنا مع الصغار! ـ ومما ينبغي أن يُلْحَظَ كذلك -زيادةً على ما تَقَدَّمَ!-, أنه من تمام التحية المصافحة؛ لقولِ البراء(رضي الله عنه):"من تمام التحية, مصافحتك لأخيك", والصغارُ لَهُمْ حَقٌّ كذلك في أن تكون التحيةُ لهم كاملةً تَامَّةً , كما تُفْعَلُ بالكبار!, وقد أورد البخاري في "الأدب المفرد": (باب مصافحة الصبيان)[رقم:743], وأورد تحته حديث أنس, وأنه كان يصافح الناس؛ ومنهم الصغار والصبيان!, فهلاَّ كان منَّا مزيدُ الاهتمام بفلذات أكبادنا, وأزهارِ حياتنا, ومَنْ همْ عمادُ مستقبلنا! أيها المسلمون!...السلامُ اسمٌ من أسماء الله تعالى, ينشره المسلم على الناس ويَبُثُّهُ فيهم, ويدعو لهم به, ويجعله عليهم سِتْرًا ورِدَاءً!...السلامُ تحيَّةٌ من عند الله مباركة طيبة....السلامُ وأنت تلقيه على خيك, وتُحَيِّيهِ بِهِ, يعني فيما يعني: تَحْصِينَهُ وتَعْوِيذَهُ بهذا الاسم المبارك من أسماء الله تعالى...كما يقولُ الناسُ عندنا, وهمْ يُرِيدُونَ التَّبْرِيكَ والتَّعْوِيذ!: (اسمُ الله عليك!), فالسلامُ منك: دعوةٌ ورجاءٌ لأخيك بالخير والسلامة؛ كأنك تقول: كانت السلامة معك, وكانت الطمأنينةُ رِدْفًا لك!...السلامُ منك لأخيك: تحصينٌ له وتعويذٌ؛ أن لا يمسَّه شر, ولا يُدْرِكَهُ خطر, ولا يَلْحَقَهُ أَذًى, ولا يَعْتَرِيهِ ضَرَر!, فهل فهمت أيها المسلم!, لم حَرِصَ دِينُنَا على إفشاء السلام بين المسلمين؟!, وهل تعلمُ أنَّ مِنْ أَوَّلِ مَا أُمِرَ به آدمُ؛ أبونا, وأبو البشر: أن أُمِرَ بِأن يُسَلِّمَ على الملائكة!, روى البخاري في "الأدب المفرد"[باب بدء السلام][رقم:743]: عن أبي هريرة عن النبي(صلى الله عليه وسلم) قال: "خلق اللهُ آدم(صلى الله عليه وسلم) على صورته, وطولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا, ثم قال: اذْهَبْ فَسَلِّمْ على أولئك-نَفَرٌ من الملائكة جلوس-فاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ[أي: ما يجيبونك], فإنها[أي فإن الكلمات التي يحيون بها] تَحِيَّتُكَ وتَحِيَّةُ ذُرِّيَتِكَ[أي: من المسلمين], فقال: السلام عليكم, فقالوا: السلام عليكم ورحمةُ الله, فزادوه: ورحمة الله..."الحديث, وتصديقه الآية الكريمة:﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾[النساء:86]. الخطبة الثانية: عرفنا ممّا سبقَ! أن الصغير يُؤَثِّرُ فيه الكبير, ولِنَرَ الآن!كيف يكونُ ذلك...كيف يتأثَّرُ الصغير بالكبير, وكيف يَقْتَدِي بِهِ فِي الخير, وكيف يتلقَّى عَنْهُ الأخلاقَ الجميلة بالفعل والاِقْتِدَاء والائْتِسَاء!؛ فهذا عبدُ الله بن عمر(رضي الله عنهما): وقد أسلم وهو صغير...ثم هاجر مع أبيه ولم يحتلم...واسْتُصْغِرَ يومَ أُحُدٍ, وقد أراد أن يشارك في القتال, وكان سِنُّهُ أربع عشرة سنة!, وشهد فتح مكة وله عشرون سنة!["سير أعلام النبلاء"(3/204)]...عبدُ الله بن عمر يروي لنا حادثةً حصلت معه وشَهِدَهَا, بَلْ كانَ هُوَ المُخَاطَبَ فيها!, فَأَثَّرَتْ فِيهِ تَأْثِيرًا عَظِيمًا, لأَجْلِ كلمة نَفَذَتْ إِلَى قَلْبِهِ وارْتَسَمَتْ فِي عَقْلِهِ, وغُرِسَتْ فِي فُؤَادِهِ, نَفَعَتْهُ صُحْبَةُ أَبِي بكرٍ الصِّدِّيق...صُحْبَة لم تَدُمْ إِلاَّ سُوَيْعَة, صَحِبَ فيها وهو الصغيرُ, الفتى, النَّاشئ!, صَحِبَ الصِّدِّيقَ, وهو الكهل, ذو شيبة المسلمين, والصاحبُ في الغار!, جاء الأغر المزني إلى رسول الله في حق يريد أن يتقاضاه من حيٍّ من أحياء المدينة, فأرسل معه النبي(صلى الله عليه وسلم) أبا بكر الصديق, يذهب معه ويصحبه, وصَحِبَ الرَّجُلَيْنِ عبدُ لله بن عمر!, قال: (فكلُّ مَنْ لَقِينا سَلَّمُوا عَلَيْنَا), أي أنَّ غَيْرَهُمْ بَدَأَهُمْ بالسلام, ولعلَّ ذلك, لمكانةِ الصِّدِّيقِ عند المسلمين!, قال ابنُ عمر: (فقال أبو بكر: "أَلاَ تَرَى النَّاسَ يَبْدَأُونَكَ(لاَحِظُوا هُنَا؛ الصِّدِّيقُ يُخاطبُ الآنَ عبدَ الله بن عمر, ويُوَجِّهُ إليه هذا الكلام, بَلْ هَذِهِ النَّصيحةَ الثَّمِينَة!)يَبْدَأُونَكَ بالسلام فيكونُ لهم الأجر؟ ابْدَأْهُمْ بالسَّلاَمِ يَكُنْ لَكَ الأَجْرُ", يُحَدِّثُ هذا ابنُ عمر عن نَفْسِهِ)اهـ....أتدرون ماذا أثرت هذه الكلمات في ابن عمر؟! وماذا أثمرت فيه؟!...عن بُشَيْرِ بن يسار قال: (ما كان أحدٌ يبدأُ-أو يبدِرُ(بمعنى: يسبقُ)-ابنَ عمر بالسلام)[رقم:753)] ومعلومٌ أن من الآداب: أن الصغير يُسَلِّمُ على الكبير, لكنَّ حُبَّ صحابةِ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) للزيادة في الفضل والسبق في الخير!, جَعَلَهُمْ يَسْبِقُونَ كُلَّ أَحَدٍ, ولو كان أصغر منهم, وأدنى منهم في المنزلة! عن عَنْبَسَةَ(هو ابن عمار)قال: (رأيتُ ابنَ عمر يُسَلِّمُ على الصبيان في الكُتَّاب)[رقم:797)], وهذا اقتداءٌ منه بالنبي(صلى الله عليه وسلم)؛ الذي كان يفعلُ ذلك مع الصبيان, كما مرَّ قريبًا! ولم يقف الأمرُ عند هذا الحدَّ, فقد كان ابنُ عمر يَتَقَصَّدُ الذهاب إلى السوق لغير حاجة, وإنما طلبًا للفضل والأجر!: عن الطفيل بن أبيّ بن كعب: (أنه كان يأتي عبدَ الله بن عمر فيغدو معه إلى السوق, قال: فإذا غدونا إلى السوق لم يمرَّ عبدُ الله بن عمر على سقَّاط(وهو الذي يبيع سقط المتاع أي رديئه!) ولا صاحب بيعةٍ ولا مسكين ولا أحد إلا يُسلم عليه. قال الطفيل: فجئتُ عبدَ الله بن عمر يومًا, فاستتبعني السوق(أي أمره أن يتبعه إلى السوق), فقلتُ: ما تصنع بالسوق؟ وأنت لا تقف على البيع ولا تسأل عن السلع, ولا تسوم بها, ولا تجلس في مجلس السوق, فاجلس بنا ههنا نتحدث, فقال لي عبدُ الله بن عمر:إِنَّمَا نَغْدُو مِنْ أَجْلِ السَّلاَمِ؛ نُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقِينَا). ومن آداب التسليم التي نَتَعَلَّمُهَا من عبد الله بن عمر: رفعُ الصوت بالسلام؛ كي يُسمعَ أخاهُ!, روى البخاري في "الأدب المفرد"[رقم:769] عن ثابت بن عبيد قال: (أتيتُ مجلسًا فيه عبدُ الله بن عمر فقال: "إذا سَلَّمْتَ فَأَسْمِعْ؛ فإنَّهَا تحيَّةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مباركة طيبة"), "إذا سلمت فأَسْمِعْ": أي لِتَعُمَّ البركة والطيب. وفي الختام: يَنْبَغِي على الكبار, وعلى الوالدين خصوصًا, أن يَهْتَمُّوا الاهتمامَ الكبيرَ بأولادهم, ويعملُوا على غَرْسِ الآداب الطَّيِّبَة والأخلاقِ الجميلة في نُفُوسِهِمْ, وتَحْبِيبِهَا إلى قُلُوبِهِمْ, وقَبْلَ ذلكَ بِكَسْبِ مَوَدَّتِهِمْ ومَحَبَّتِهِمْ؛ لِيَجِدُوا مِنْهُمْ طَوَاعِيَةً, وسُهُولَةَ انْقِيَاد, فإذا أَحَبَّكَ الصغيرُ, وأَحَسَّ مِنْ جِهَتِكَ مَزِيدَ اهتمام, وعدمَ إهمال!, أَتَى إِلَيْكَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَهُ!!, وكَمْ مِنْ خُلُقٍ جميل وسلوكٍ نبيل, عَرَفُوهُ مِنْكَ, وَوَجَدُوهُ فِيكَ, فاقْتَدَوْا بِكَ فِيهِ, دُونَ أَنْ تَأْمُرَهُمْ!, وكَمْ مِنْ خَيْرٍ تَعَلَّمُوهُ منك, وأنت لا تدري!, فعليكم أن تَتَعَلَّمُوا أهميةَ القدوة في إصلاحهم!, وهذه القدوةُ النافعةُ من أعظمِ ركائزها: أن تتواضَعَ لهم, وتَسْتَمِيلَ قلوبهم بكلمة طيبةٍ, وتسليمةٍ مُفْعَمَةٍ بالمحبَّة!
|
|||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||
|
يسمح من الاستفادة من محتوى
الموقع لأغراض علمية ودعوية ،
على أن تكون الإشارة عند الاقتباس
إلى الموقع
|
|||||||||||||||