إتصل بناالأسرة المسلمةصوتياتخطب منبريةنافذة على الواقعوهران و ضواحيهاالتعريف بالموقعالصفحة الرئيسة 

 

     القرآن و علومه  
الحديث و علومه
العقيدة        
المنهاج       
الفقه و أصوله    
تزكية النفوس    
التاريخ والسير  
  اللغة و الأدب  
 أفكار هدامة   
متفرقات     

 

اتَّقُوا الله!... واعْدِلُوا فِي أَوْلاَدِكُمْ

أُلْقِيَتْ يوم الجمعة 07ربيع الثاني1430هـ الموافق: 03أبريل2009م.


كتبه سمير سمراد ( إمام خطيب بالجزائر )

بسم الله الرحمٰن الرحيم 

أيها المسلمون!...من أعظم ما يحزُّ في النفوس وتضيق به الصدور: حصول التباغض والتشاحن بين الإخوة المؤمنين!, ووقوع التمزق في المجتمع المسلم الواحد!!...وأعظم من هذا وأشد؛ أن يقع التباغض والتشاحن بين الإخوة في الرحم وفي الدم!, وفي رابطة الأب وفي النسب!!؛ سواء أكانوا إخوة أشقاء؛ أبوهم واحد, وأمهم واحدة, أم كانوا ينتسبون لأبٍ واحد؛ وإن اختلفت أمهاتهم, فهم إخوة!, أقول يشتد الخطب وتعظم الحسرة أن يقع بين هؤلاء التمزق والنفرة, ويضمر بعضُهم لبعضٍ كراهية وإِحْنَةً وما إلى ذلك...

ومن أعظم ما يحزُّ في النفوس وتضيق به الصدور أيضا! أن يعق الإنسان من أحسن إليه, ويمنعه حقوقَهُ! من  إحسان وإكرام وتجلة, ومن لطف ورفق ورحم, وأعظم من هذا وأشد في الحسرة أن يقع هذا العقوق والجحود من الولد إلى والديه!!....

ولهذا كله أسباب كثيرة؛ نذكر منها سببًا واحدًا, يتسبَّبُ فيه الآباء أنفسُهُمْ ويقع منهم التهاون به كثيرًا لغلبة الجهل بالأحكام الشرعية, وقد نَبَّهَ نبيُّ الرحمة(صلى الله عليه وسلم) إلى هذا الأمر! وبيَّنَهُ أَتَمَّ بيان:

ثبت في "الصحيحين" وغيرهما عن النعمان بن بشير(رضي الله عنهما), أن أباه[بشير بن سعد] أتى به رسول الله(صلى الله عليه وسلم)  فقال: إني نَحَلْتُ[أي: أعطيت ووهبتُ] ابني هذا غلامًا[أي عبدًا] كان لي.[وكان بشير أبو التعمان يريد أن يُشْهِدَ رسولَ الله(صلى الله عليه وسلم) على هذه الموهبة!], فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم): (ألك ولدٌ سوى هذا؟), قال: نعم, قال: (أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مثل هذا؟), (فكلّهم أعطيت مثل هذا؟), (أكلّهم وهبت له مثل هذا؟), قال: لا. فقال رسول الله(صلى الله عليه وسلم): (فلا إذًا), قال: (فارجِعْهُ), (ارْدُدْهُ)[أي: أمره بردِّ ما أعطاه!], قال: (لا  تُشهدني, فإني لا أشهد على جَوْرٍ)[أي: على ظلم, وعلى باطل], قال: (اتقوا الله واعدلوا في أولادكم), قال: (أشهد على هذا غيري), قال: (أيسرُّكَ أن يكونوا لك[أو: إليك] في البر سواء؟), قال نعم, قال: (فلا, إذًا), قال: (لا يصلح هذا, وإني لا أشهد إلا على حق), قال: (إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم, كما إن لك عليهم من الحق أن يبروك), قال: (أليس تريد منهم البرَّ مثل ما تريد من ذا؟, قال بلى, قال: فلا , إذًا).

ـ فمن أسباب حصول التقصير من الأولاد في حقوق آبائهم, هو عدم تسوية الآباء! بين أولادهم في العطايا والهبات, وعدم عدلهم بينهم!, فهذا من جملة أسباب؛ تجر العقوق من الأولاد على والديهم!

كما أن تفضيل الآباء بين أولادهم في العطايا, يورث بين الأولاد التنافر والتشاحن!,

فمن حرص الإسلام على دوام الإلفة بين الإخوة؛ الأولاد, ونفي كلِّ ما يوقع الشحناء بينهم, حرم تفضيل بعضهم على بعض, وتخصيص بعضٍ دون بعضٍ في الهبات والأعطيات.

فهذه الألفاظ والجمل التي سمعنا, صريحة كل الصراحة, في تحريم  ما يكون من تفضيل بينهم!, وتدل على أن تلك الهبات باطلة!, وقوله(صلى الله عليه وسلم) لأبي النعمان: (أشهد على هذا غيري), هو تهديد وتوبيخٌ, ولا يعني أن أبا النعمان  لو ذهب إلى غير النبي(صلى الله عليه وسلم) لصحت هبته, أو جاز له ذلك! كلاَّ, لأنَّ النبي(صلى الله عليه وسلم) سمَّاهُ جَوْرًا أي باطلاً!, والنبيُّ(صلى الله عليه وسلم) لا يأذن في الباطل, وقوله(صلى الله عليه وسلم) (إني لا أشهد إلاَّ على حق), دلَّ على أن ما فعله أبو التعمان لم يكن حقا فهو باطلٌ قطعًا. وإنما خرج من باب قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ, وقوله(صلى الله عليه وسلم): "إذا لم تستح فاصنع ما شئت"!([1])

وقد صحَّ عن النبي(صلى الله عليه وسلم)قوله: (اعدلوا بين أولادكم في النُّحْل[أي في العطايا], كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البرِّ[أي الإحسان] واللُّطْفِ)[أي:الرفق بكم] ([2]), وقوله(صلى الله عليه وسلم): (أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواءً؟)؛ أي أن يكونوا (مستوين في الإحسان إليك, وفي ترك العقوق عليك, وفي الأدب والحرمة والتعظيم لديك) ([3])؛ فـ(التفاضل بينهم يجرُّ إلى الشحناء والتباغض ومحبةِ بعضِهِم له, وبُغضِ بعضِهِم إياه) ([4])؛ فتتفرق قلوب الأولاد على أبيهم؛ فالذين فضلوا يكنون له الاحترام والمحبة والود!, والذين فضل عليهم إخوانهم!, يُكِنُّونَ لَهُ كراهيةً وبغضةً ونفرةً, وما لذلك من سبب!سوَى ما جناهُ هذا الأب الذي لم يَسِرْ في أولاده سيرةَ عدلٍ !

فاتقوا الله!... أيها الآباء! ويا أيتها الأمهات! واعدلوا في أولادكم ولا تفاضلوا بينهم, إن كنتم تحبُّونَ أن تجتمع قلوب أولادكم على محبتكم, واحترامكم, والبر الكامل بكم, وإلاَّ ستحصدون سوءَ ما كسبته أيديكم من الظلم وعدم العدل!وما زرعتموه فيهم من أسباب الكراهية والعداوة.

الخطبة الثانية:

نُنَبِّهُ إلى بعض المسائل المتعلقة بالأصل الذي قرَّرْنَاهُ قبلَ قليل؛ وهو تحريم المفاضلة بين الأولاد في العطية؛

المسألة الأولى:  إنما تجب التسويةُ فيما ليس له سبب, أو تجبُ في العطية المجردة!, أما إذا كان هناك سببٌ يستوجب التفضيل, فهنا تجوز المفاضلة, وأسباب التفضيل كثيرة, ترجع في معظمها إلى الحاجة؛ فيعطى الولد الفقير  ما لا يعطى الولد الغني!, ويعطي كل واحد من أولاده ما هو محتاج إليه, وما يسد به حاجته, مثل أن يحتاج أحد الأولاد علاجا ومصاريف دواء وعناية زائدة لمرضه!, أو يحتاج بعضهم مصاريف الدراسة والتعلم, بخلاف الذي لم يلتحق بعدُ بالدراسة ولم يبلغ سن التعلم, وهكذا الذي بلغ سن الزواج, فيعطى ما يستعين به على العفاف, فيعان على مؤن الزواج, بالمعروف!, وهكذا البنت تعطى ما تُجَهِّزُ به نفسها مما تحتاجه العروس من الجهاز, بالمعروف! فإن خُصَّ هؤلاء دون إخوتهم! فإنما ذلك اقتضته الحاجة, ودعت إليه الأسباب المذكورة, فليس هو من الجَوْرِ وعدم العدل.

المسألة الثانية:  ظاهرُ حديث النعمان بن بشير, وألفاظِهِ التي سُقْنَاهَا, يدُلُّ على: (أنه لا فرق بين الذكر والأنثى؛ فإذا أعطى الذكر مائة فلْيُعْطِ الأنثى مئةً) ([5]), وهكذا يسوي بينهما, ويخطئ كثير من الناس فيحسب أنه سيعدل (في العطية فيجعلون عطية الذكر ضعف عطية الأنثى يقيسون ذلك على الميراث) ([6]), ألا فليعلموا أن العطية تختلف عن الميراث, فالميراث حكمٌ خاصُّ!, ثم إن ألفاظ حديث النعمان تشهد على عدم التفريق, وعلى التسوية, (لأنه لا مفاضلة شرعية بين الذكر والأنثى بالنسبة للأبوين, فكما أنه يجب على الذكر مثل ما يجب على الأنثى, ويجب على الأنثى مثل ما يجب على الذكر من البرّ الأكمل بالنسبة للوالدين فكذلك العطية يجبُ أن تكون كاملة) ([7]).

المسألة الثالثة:  (وهي مسألة مهمة واقعية مثلا لو أن بعض الآباء خصوا بعض أبنائهم بعطايا وهبات دون إخوانهم الآخرين ثم مات هؤلاء الآباء, فترى هؤلاء الأبناء يقولون ليس عَلَيْنَا ضَيْرٌ ولا إثم فإن الإثم على أبينا, شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول في الفتاوى بأنه يجب على هذا الابن أن يَرُدَّ جَوْرَ أبيه وأن يَرُدَّ الظلم الذي أوقعه على بقية إخوانه من هذا الأب الجائر بأن يردّ الحق إلى نصابه) ([8]), فلئن كان الأب لم يتبع العدل, وكان الواجب عليه في حياته أن يَرُدَّ ما خُصَّ بِهِ بعض ولده, لأنه عطاءٌ باطل!, وإن قبضه الولد, لئن لم يفعل ذلك, ومات, فإنه يبقى باطلا حتى ولو بقي في يد هذا الولد! و(الواجبُ على من فضل أن يتبع العدل بين إخوته), و(لا يجوز له أن يختص به دون إخوته, بل يكون مشتركا بينه وبين إخوته) ([9]), ولو بعد موت والدهم! ([10]), وعليه فإنه يحسبُ من جملة الميراث؛(فيقتسمون جميع المال-الأول والآخر-على كتاب الله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين) ([11]). هذا من جهة الحكم الشرعي. وهناك جهةٌُ أخرى! وهي أن(الابن المفروضُ فيه أن يتعاطى وسائل الرحمة لأبيه والمغفرة لأبيه, بل يجب على المسلم أن يكون أرحم من ذلك بغير أبيه, فبالأولى أن يكون أرحم ما يكون بأبيه, ولذلك فلا يجوز أن تتغلب عليه الشهوة المادية فيقول أنا [ما دخلني ] كيف [ما دخلك!] يجب أن تخلص أباك من الجور الذي حققه في قيد حياته لعل في ذلك نجاة له بعد وفاته من ظلمه) ([12]).

المسألة الرابعة: (كثيرٌ من الآباء أيضا يأتي لبناته في موضع العطية؛ فيقول [أنتِ موافقة, سأعطي فلانًا كذا, أنتِ موافقة] تقول:[موافقة]مثلا, وهكذا تمضي القضية, فهذا أيضا من الباب نفسه يُعَدُّ جَوْرًا وظُلْمًا) ([13])؛ لأن البنت قد جرت هنا إلى الموافقة جرًّا, ولعلَّها هي في قَرَارَةِ نَفْسِهَا كارهةٌ لذلك!, فما كان لهذا الأب أن يُقْدِمَ على مثل هذا التصرف, ويقدم على تفضيل الذكور بمثل هذه الطريقة, التي لم تعد أن تكون هي كذلك جورا وظلمًا!, ولو جاز للأب أن يسلك مثل هذا المسلك!, لكان الأولى به أن يعكس القضية, فيفضل البنات, ويطلب من الذكور الموافقة على تخصيصهنَّ!, وهو صريحُ قول النبي(صلى الله عليه وسلم)؛  ثبت من حديث ابن عباس عن النبي(صلى الله عليه وسلم): (سووا بين أولادكم في العطية, فلو كنت مفضلاً أحدًا لفضلتُ النساء) ([14])؛ (يعطى للبنت التي تظلم عادةً, ينقدها ما تستحقه, لا أن يجرها جرًّا إلى أن توافق على القسمة الجاهلية التي تقام على منع البنات من حقوقهنَّ) ([15]).


 

[1] - انظر:"تهذيب السنن"لابن القيم(9/334).

[2] - "صحيح الجامع"(رقم:1057).

[3] - "مرقاة المفاتيح"لعلي القاري(6/207).

[4] - "فيض القدير"للمناوي(1/711).

[5] - "شرح البلوغ"(4/300)للعلاَّمة ابن عثيمين رحمه الله.

[6] - [تسجيل صوتي بعنوان: (كيف نعالج المصروع)للعلاَّمة الألباني رحمه الله -الشريط الأول-نهاية الوجه(أ)].

[7] - [تسجيل صوتي بعنوان: (كيف نعالج المصروع)للعلاَّمة الألباني رحمه الله -الشريط الأول-نهاية الوجه(أ)].

[8] - [تسجيل صوتي بعنوان: (كيف نعالج المصروع)للعلاَّمة الألباني رحمه الله -الشريط الأول-نهاية الوجه(أ)].

[9] - "مجموع الفتاوى"(31/272).

[10] - "مجموع الفتاوى"(31/294).

[11] - "مجموع الفتاوى(31/297).

[12] - [تسجيل صوتي بعنوان: (كيف نعالج المصروع)للعلاَّمة الألباني رحمه الله -الشريط الأول-نهاية الوجه(أ)].

[13] - [تسجيل صوتي بعنوان: (كيف نعالج المصروع)للعلاَّمة الألباني رحمه الله -الشريط الأول-نهاية الوجه(أ)].

[14] - حَسَّنَهُ الحافظ في "الفتح"(5/214).

[15] - [تسجيل صوتي بعنوان: (كيف نعالج المصروع)للعلاَّمة الألباني رحمه الله -الشريط الأول-نهاية الوجه(أ)].

 


 

إتصل بنا المرأة المسلمةصوتياتخطب منبريةنافذة على الواقع  وهران وضواحيهاالتعريف بالموقعالصفحة الرئيسة 


يسمح من الاستفادة من محتوى الموقع لأغراض علمية ودعوية ، على أن تكون الإشارة عند الاقتباس إلى الموقع
www.Minbarwahran.net