إتصل بناالأسرة المسلمةصوتياتخطب منبريةنافذة على الواقعوهران و ضواحيهاالتعريف بالموقعالصفحة الرئيسة 

 

     القرآن و علومه  
الحديث و علومه
العقيدة        
المنهاج       
الفقه و أصوله    
تزكية النفوس    
التاريخ والسير  
  اللغة و الأدب  
 أفكار هدامة   
متفرقات     

 

حادثة الإفك

أُلْقِيَتْ يَوْمَ الجُمُعَةِ:  09 ذوالقعدة 1429


كتبه أبو عبد المهيمن لخضر

بسم الله الرحمٰن الرحيم 

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران/102]

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء/1].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. [الأحزاب/70، 71]

أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أما بعد عباد: موعدنا في هذه الجمعة مع حادثة من أهم الحوادث وأخطرِها في سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يُمكَرْ بالمسلمين مكرٌ أشد من هذه الإشاعة، وهي إشاعةٌ مختلقةٌ هزتِ البيتَ النبوي شهرًا كاملاً، وعصفت بالمدينة النبوية بأسرها.

عباد الله: تعالوا بنا لنعيش مع أم المؤمنين الصديقةِ بنتِ الصديق عائشةَ رضي الله عنها هذه القصة .

فقد روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما [البخاري برقم 4141 ومسلم برقم 7196] أنها قالت:" كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ سَفَرًا، أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ فَأَيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَعَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَكُنْتُ أُحْمَلُ في هَوْدَجِي، وَأُنْزَلُ فِيهِ فَسِرْنَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ، ودَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ[راجعين]، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي، أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي، فَلَمَسْتُ صَدْرِي، فَإِذَا عِقْدٌ لِي، مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ[قلادة يمانية]، قَدِ انْقَطَعَ فَرَجَعْتُ، فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ قَالَتْ: وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يُرَحِّلُونِي، فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي، فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ عَلَيْهِ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ وَكَانَ النِّسَاءُ، إِذْ ذَاكَ، خِفَافًا لَمْ يُهبَّلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ[الشيء القليل] مِنَ الطَّعَامِ فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوه وَحَمَلُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ فَسَارُوا، وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ مِنْهُمْ دَاعٍ وَلاَ مُجِيبٌ، فَيَمَّمْتُ [قصدت] مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي، فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي، ، فَنِمْتُ  وَكَانَ صَفْوَان بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ، ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَعرَفَنِي حِينَ رَآنِي-وَكَانَ يَرَانِى قَبْلَ الْحِجَابِ- فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ[بقوله إنا لله وإنا إليه راجعون]، حِينَ عَرَفَنِي فَخمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي وَوَاللهِ مَا تَكَلَّمْنَا بِكَلِمَةٍ، وَلاَ سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِىءَ عَلَى يَدِهَا، فَقُمْتُ إِلَيْهَا، فَرَكِبْتَهَا فَانْطَلَقَ يَقُودُ الرَّاحِلَةَ، حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ، مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ[في أولها وذلك عند اشتداد الحر]، وَهُمْ نُزُولٌ.

قَالَتْ: فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِى تَوَلَّى الإِفْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ ابْنُ سَلُولَ [تصدى لهذه الفتنة وتقلدها].

قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ [مرضت] حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ [يخوضون] فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ، ولاَ أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لاَ أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: "كَيْفَ تِيكُمْ" ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذلِكَ يَرِيبُنِي وَلاَ أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ حِينَ نَقَهْتُ [أفقت من مرضي ولم تتكامل صحتي] فَخَرَجْتُ مَعَ أُمِّ مِسْطِحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ وَكَانَ مُتَبَرَّزَنَا [يقضين فيه حاجتهن] وَكُنَّا لاَ نَخْرُجُ إِلاَّ لَيْلاً إِلَى لَيْلٍ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُتَخَذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا...

قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأنِنَا فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا [كساء من صوف] فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ أَتَسُبِّينَ رَجُلاً شَهِدَ بَدْرًا؟ فَقَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ [مسكينة] أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَتْ: َقُلْتُ: مَا قَالَ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ، قَالَتْ: فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي.

 فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ فَقُلْتُ لَهُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ قَالَتْ: وَأُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا قَالَتْ: فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ لأِمِّي: يَا أُمَّتَاهُ مَاذَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْكِ فَوَاللهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، لَهَا ضَرَائِرُ، إِلاَّ كَثَّرْنَ عَلَيْهَا قَالَتْ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ أَوَ قَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهذَا؟! قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ، لاَ يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي.

قَالَتْ: وَدَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ [أبطأ]، َيَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ- من الوُد- فَقَالَ أُسَامَةُ: أَهْلَكَ وَلاَ نَعْلَمُ إِلاَّ خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ وَسَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَرِيرَةَ فَقَالَ: أَيْ بَرِيرَةُ هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصهُ [أعيبه]، غَيْرَ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتأتِي الدَّاجِنُ [الشاة أو الطير تألف البيت] فَتَأْكُلُهُ.

قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ يَوْمِهِ، فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَذَاهُ فِي أَهْلِي؟ وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلاَّ خَيْرًا وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْرًا وَمَا يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلاَّ مَعِي" قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللهِ أَعْذِرُكَ فَإِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ قَالَتْ: وَكَانَ رَجُلاً صَالِحًا وَلكِنِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، فَقَالَ لِسَعْد بن معاذ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لاَ تَقْتلُهُ، وَلاَ تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْد بن معاذ [من رهطه]، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ قَالَتْ: فَثَارَ الْحَيَّانِ، الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ.

 قَالَتْ: فَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ كُلَّهُ لاَ يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، حَتَّى إني لأَظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِى،

قَالَتْ: فَبَيْنَا أَبَوَايَ جَالِسَانِ عِنْدِي، وَأَنَا أَبْكِي، فَاسْتَاذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِن الأَنْصَارِ، فَأَذِنْتُ لَهَا فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي.

 الخطبة الثانية

قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ، دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي، مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لاَ يُوحى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي ِشَيْءٌ، قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ:" أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ إِنَّهُ بَلَغَنِي عِنْكِ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً، فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ فَإِنَّ الْعَبْدَ، إِذَا اعْتَرَفَ، ثُمَّ تَابَ، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ"

قَالَتْ: فَلَمَّا قَضى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَقَالَتَهُ، قَلَصَ [انقطع] دَمْعِي، حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً فَقُلْتُ لأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِّي فِيمَا قَالَ فَقَالَ أَبِي: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ لأُمِّي: أَجِيبِي رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا قَالَ قَالَتْ أُمِّي: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، لاَ أَقْرَأُ من الْقُرْآنِ كَثِيرًا: إِنِّي، وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ ، وَوَقَرَ فِى أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ ، فَلَئِنْ قُلْتُ: إِنِّي بَرِيئَةٌ لاَ تُصَدِّقُونِي وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ، وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ، لَتُصَدِّقُنِّي، فَوَاللهِ ما أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلاً إِلاَّ أَبا يُوسُفَ [يعقوب عليه الصلاة والسلام] حِينَ قَالَ:﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف/18] ثُمَّ تَحَوَّلْتُ وَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي حِينَئِذٍ بَرِيئَةٌ، وَاللهَ يُبَرِّئِني بِبَرَاءَتِي، وَلكِنْ وَاللهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ يُنْزِلُ فِي شَأنِي وَحْيًا، ولَشَأنِي كَانَ أَحْقَرَ في نفسي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّم اللهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتلى، وَلكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيَّ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللهُ-عز وجل- بِهَا، فَوَاللهِ مَا قامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَلاَ خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ وأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ[شدة الحمى] حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ [حبات اللؤلؤ] مِنَ الْعَرَقِ وَهُوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ، مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ.

قَالَتْ: فسُرِّيَ [كُشِفَ] عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَضْحَكُ فَكَانَتْ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ:" يَا عَائِشَةُ ، احْمَدِى اللَّهَ فَقَدْ بَرَّأَكِ اللَّهُ" قَالَتْ: فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ فَقُلْتُ: وَاللهِ لاَ أَقُومُ إِلَيْهِ، فَإِنِّي لاَ أَحْمَدُ إِلاَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ .

قَالَتْ: وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ِ إلى قوله﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ[النور/11-20]

قالت: لما أَنْزَلَ اللهُ هذَا فِي بَرَاءَتِي، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ، لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ: وَاللهِ لاَ أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا، بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[النور/22]

قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: بَلَى وَاللهِ إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي فَرَجَّعَ إِلَى مِسْطَحِ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ: وَاللهِ لاَ أَنْزِعُهَا عنْهُ أَبَدًا.

قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي فَقَالَ "لِزَيْنَبَ: مَاذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ؟" قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي وَاللهِ مَا عَلِمْتُ إِلاَّ خَيْرًا.

قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي، مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَعَصَمَهَا اللهُ بِالْوَرَعِ، وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ.

قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللهِ إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ[صفوان بن المعطل]، لَيَقُولُ: واللهِ فَوَالَّذِي نَفْسِي بَيَدِهِ مَا كَشَفْتُ عن كَنَفِ [الثوب الساتر] أُنْثى قَطُّ، قَالَتْ: ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ عز وجل)

عباد الله: نأخذ من هذه الحادثة دروسًا وعظاتٍ كثيرة  فمنها[1]:

أولا: خطورة النفاق وأثره على المجتمع، فبسبب كلمةٍ واحدةٍ تلفظ بها منافقٌ حاقدٌ بين الناس عاش الرسولُ عليه الصلاة والسلام والمسلمون شهرًا كاملاً في غم وهم وحزن، فتعالوا بنا إلى إمام همام وهو يصف النفاقَ وأهلَه وما جرُّوا على الأمة الإسلامية من الويلات، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (أما النفاق فهو الداء العضال الباطن، الذي يكون الرجل ممتلئًا منه وهو لا يشعر فإنه أمر خفي على الناس وكثيرا ما يخفى على من تلبس به فيزعم أنه مصلح وهو مفسد.. وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين، وكشف أسرارهم في القرآن، وجلى لعباده أمرهم ليكونوا منها وأهلها على حذر...ثم قال: فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه، وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه... فلايزال الإسلام وأهلُه في محنةٍ وبلية، ولايزال يطرُقُه من شبههم سَريَّةٌ بعد سَريَّةٍ، ويزعمون أنهم بذلك مصلحون ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ [البقرة/12][2]

ثانيا: الحذر من تصديق الشائعات وترويجها، فقد حذرنا الإسلامُ من إشاعة الخبر الكذب أو تناقلِ كل ما تناهى إلى أسماعنا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات/6] وجعل مُرَوِجَ الكذبِ مفتريًا فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النحل/105].

ثالثا: مكانة البيت النبوي: فالبيت النبوي خيرُ البيوتِ وأطهرُها ويكفيه فضلاً وشرفاً أن الله تعالى تولى الدفاعَ عنهم، واقتضت إرادتُه أن يُذهبَ عنهم الرجسَ ويُطهرهم تطهيرًا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب33].

قَالَ أَبُو بَكْر الصِّدِّيقُ رضي الله عنه:" ارْقُبُوا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فِى أَهْلِ بَيْتِهِ" أي اِحْفَظُوهُ فِيهِمْ فَلَا تُؤْذُوهُمْ وَلَا تُسِيئُوا إِلَيْهِمْ[3].

رابعا: حرمة سَبِّ زوجاتِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، والوقوع في أعراضهن، وعائشة رضي الله عنها منهن، بل زادت درجةً وفضلاً دون من سواها من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن بدفاع الحقِ جل ثناؤه عنها، ومزيدِ حبِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لها.

ولقد اتفق علماءُ أهلِ السنةِ والجماعةِ وأجمعموا على أن من طعن فيها بما برأها الله منه فهو مكذّبٌ للقرآن.

قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى: (مَنْ سَبَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ جُلِدَ، وَمَنْ سَبَّ عَائِشَةَ قُتِلَ، قِيلَ لَهُ: لِمَ يُقْتَلُ فِي عَائِشَةَ ؟ قَالَ: لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: ﴿يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [النور/17]

قَالَ مَالِكٌ: فَمَنْ رَمَاهَا فَقَدْ خَالَفَ الْقُرْآنَ، وَمَنْ خَالَفَ الْقُرْآنَ قُتِلَ)[4].

وقال الإمام أبوبكر ابن العربي المالكي رحمه الله: ( إنَّ أَهْلَ الْإِفْكِ رَمَوْا عَائِشَةَ الْمُطَهَّرَةَ بِالْفَاحِشَةِ ، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ ، فَكُلُّ مَنْ سَبَّهَا بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ فَهُوَ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ ، وَمَنْ كَذَّبَ اللَّهَ فَهُوَ كَافِرٌ)[5]

وقد قيلت في براءتها رضي الله عنها أشعارٌ منها: قول أمِ سعدِ بنِ معاذٍ رضي الله عنها:

         شهدَ الأوسُ كهلُها وفتاها            والخماسي من نسلها والفطيمُ

        ونساءُالخزرجين يشهد                 ن بحقٍ وذلكم معلومُ

       أن ابنةَ الصديق كانت حَصانًا         عفة الجيب دينها مستقيمُ

      تتقي الله في المغيب عليها                نعمة الله سترها ما تريمُ

     خير هدي النساء حالاً ونفساً           وأباً للعُلى نمَاها كريمُ

نسأل الله جل وعلا أن يحفظنا في ديننا وأعراضنا.

اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين، ولاتشمت فينا عدواً ولا حاسدا. اللهم أصلح ولاة أمورنا وارزقهم البطانة الصالحة، واجعل بلدنا آمناً مطمئنا وسائر بلاد المسلمين.

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لاإله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.


[1] - من مقدمة الشيخ سليم الهلالي على كتاب حديث الإفك للإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى بتصرف

[2] - مدارج السالكين/ج1ص348

[3] - رواه البخاري برقم 3713 وانظر شرحه في فتح الباري 11 / 13)

[4] - المحلى لابن حزم/الجزء11 ص415

[5] - أحكام القرآن/الجزء6 ص37

 


 

إتصل بنا المرأة المسلمةصوتياتخطب منبريةنافذة على الواقع  وهران وضواحيهاالتعريف بالموقعالصفحة الرئيسة 


يسمح من الاستفادة من محتوى الموقع لأغراض علمية ودعوية ، على أن تكون الإشارة عند الاقتباس إلى الموقع
www.Minbarwahran.net